أكدت صحيفة “تلغراف” (The Telegraph) البريطانية أن النظام في إيران يشهد حالة من التصدع الداخلي أشبه بـ “نظام مافيا بلا زعيم”، حيث تتناحر العشائر الأوليغارشية المتنافسة على السلطة والموارد. وخلافاً لما تروّج له بعض وسائل الإعلام الغربية بأن طهران خرجت “أقوى” من الحرب، تشير المعطيات إلى انقسامات عميقة تختبئ خلف مشهد الجنازة الحاشدة للمرشد الأعلى السابق علي خامنئي، في ظل غياب لافت للمرشد الجديد، مجتبى خامنئي.
لغز اختفاء مجتبى خامنئي
منذ الهجوم المدمر الذي استهدف مجمع والده وأسفر عن مقتل زوجته وابنه، توارى مجتبى خامنئي عن الأنظار، وسط غياب أي دليل ملموس على أنه لا يزال على قيد الحياة.
ولطالما شكّل اسم “مجتبى” الغراء السياسي الذي يمنع فصائل النظام من الاقتتال، حيث استندت إليه النخب لإضفاء الشرعية على أفعالها وتجنب الصدامات العلنية. لكن اليوم، تتغير هذه الفرضية بهدوء داخل أروقة النظام، وتنامت الشكوك بأن المرشد الجديد إما متوفى أو عاجز تماماً عن أداء مهامه، مما يهدد بانفلات الصراع على السلطة والموارد.
“المرشد الغائب” ونفوذ الحرس الثوري
بحسب الصحيفة، يُعتبر رئيس الحرس الثوري الإيراني الجديد، أحمد وحيدي، الشخصية الأقوى في البلاد حالياً. ويستفيد وحيدي والحرس الثوري من فكرة “المرشد الوهمي” أو العاجز، لترسيخ سلطتهم وإدارة موارد الدولة باسم مجتبى من دون أي معارضة تُذكر.
وتشبه هذه الاستراتيجية عقيدة “الإمام الغائب” في المذهب الشيعي الاثني عشري (الإمام المهدي الذي غاب عام 874 م). فكما عُيّن ممثلون للتواصل نيابة عن الإمام الغائب تاريخياً، يبدو أن الحرس الثوري يلعب اليوم دور الممثل الحصري لـ “مجتبى الغائب”، لضمان استمرارية النظام وتخفيف حدة أزمة الخلافة، إلا أن نجاح هذه الخطة مرهون بمدى تصديق الفصائل المتنافسة لها.
خسائر عسكرية واقتصادية فادحة
ومع تجدد الضربات الأميركية المحتملة، دفع الصراع الداخلي والخارجي النظام إلى حافة الهاوية. وكشفت الجولة السابقة من الحرب عن تراجع حاد في القدرات الإيرانية:
- الانهيار العسكري: تعرض أكثر من 12,300 موقع عسكري للقصف الأميركي، ما أدى إلى شبه شلل في أنظمة الدفاع الجوي وتراجع حاد في القدرات الصاروخية الباليستية.
- الانهيار الاقتصادي: تجاوزت معدلات التضخم 100% في 11 محافظة إيرانية على الأقل، وارتفعت أسعار بعض السلع الأساسية بنسبة تفوق 200%، في حين خسر أكثر من مليون شخص وظائفهم خلال أول 40 يوماً فقط من الصراع.
غليان شعبي وسيناريو التطهير القادم
تتزامن هذه الأزمات مع احتقان شعبي غير مسبوق لم يهدأ منذ احتجاجات كانون الثاني، التي شهدت مقتل نحو 40 ألف مدني، مما يجعل انفجار موجة جديدة من الاضطرابات مسألة وقت فقط.
ورغم أن النظام يعيش أضعف مراحله منذ عام 1979، تطرح “تلغراف” سيناريو بديلاً: إذا تمكن الحرس الثوري من الصمود خلال العامين والنصف المقبلين لتجاوز فترة رئاسة دونالد ترامب، فقد يشن حملة تطهير واسعة النطاق لاقتلاع الفصائل المنافسة تحت شعار “التطهير الأيديولوجي ومكافحة الفساد”. وإذا حدث ذلك، قد يفرز النظام بنية أكثر مركزية وتماسكاً بقيادة الحرس الثوري.
وتختم الصحيفة تقريرها بالتأكيد على أن إيران تواجه اليوم عاصفة هوجاء وحرباً مزدوجة من الداخل والخارج. وفي ظل الغموض الذي يكتنف مصير مجتبى، لا يواجه هذا النظام صعوداً أو قوة، بل يعيش أخطر أزمة وجودية تعصف به منذ عقود.
