خاص- فتات الـ ٢٠٠ دولار… عندما يُسَعَّر الدم والركام بـ “بقشيش” الموت!

لم يكن ينقص مشهد الخراب المروع، ورائحة البارود والموت التي تفوح من تحت أنقاض قرى الجنوب وأحياء الضاحية، سوى هذه الصرخة المدوية في وقاحتها: “٢٠٠ دولار تعويضاً للعائلات”! هل وصلنا إلى هذا الدرك الأسفل من الاستخفاف؟ هل بات جنى العمر، وتعب السنين، ودماء الأبرياء، وذكريات عائلاتٍ سُويت منازلها بالأرض، يُسَعَّر بورقتين خضراوين لا تكفيان لشراء حذاء أو سداد فاتورة مولد كهربائي في هذا الزمن المعتم؟

إن رمي هذا الفتات في وجوه من فقدوا كل شيء ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو إهانة مقصودة، وصفعة موجهة لكرامة كل مواطن دُمر بيته وشُردت عائلته ليدفع ثمن حروبٍ وقرارات لم يُسأل عنها ولم يشارك في صنعها.

استغباء للعقول أم استحقار للكرامات؟
حين تُتخذ قرارات الحرب بجرّة قلم، وتُفتح جبهات الدمار تحت شعارات رنانة، يُتوقع من أصحاب القرار أن يمتلكوا الحد الأدنى من المسؤولية لتحمل تبعات مغامراتهم. لكن ما نشهده اليوم هو تنصل مبكٍ وتوزيع لـ “صدقات” لا تليق حتى بمتسولين!

ثمن البيوت المهدمة: كيف لجهةٍ سياسية وعسكرية تدير اقتصاداً موازياً بملايين الدولارات أن تنظر إلى عين أبٍ فقد مصدر رزقه، أو أمّ تبكي شقاء عمرها تحت الركام، وتقول لهما: “هذه ٢٠٠ دولار، اذهبا وتدبرا أموركما”؟

تسعيرة الذل: إن هذا المبلغ ليس تعويضاً، بل هو “بقشيش” يُرمى للتخلص من عبء النازحين وإسكات أنين الموجوعين. إنه إعلان صريح بأن كلفة تدمير بيئة بأكملها لا تتجاوز بضعة دولارات تُصرف من جيوب أصحاب الشعارات الفضفاضة.

المتاجرة بشعار “البيئة الحاضنة”
لقد صُمّت آذاننا لسنوات بأسطورة “البيئة الحاضنة” و”أشرف الناس”. هل هكذا يُكافأ أشرف الناس؟ هل يُكافأون برمي مبالغ تُشعرهم بالتسول في طوابير الذل؟

إن كنتم تعتبرون هؤلاء الناس مجرد أكياس رملٍ ومصداتٍ بشرية لمشاريعكم الإقليمية، فاعلموا أن كرامة هؤلاء أغلى من كل ميزانياتكم. لقد طُلب من هذه البيئة أن تتحمل دمار الاقتصاد، وضياع الودائع، وعزلة البلد، ثم طُلب منها أن تدفع ضريبة الدم والتهجير.. وفي النهاية، تُرمى لها ٢٠٠ دولار وكأنها مكرمة ربانية!

قرار فردي.. ودمار جماعي.. وتعويض شحاذة!
المعادلة اليوم باتت واضحة ومقززة:
قرار الحرب: لكم وحدكم.
الدمار والموت والتشرد: للبيئة ولعائلاتها.
التعويض: فتاتٌ يُشبه “الإعاشات” المذلة.

من يقرر أن يخوض حروباً إقليمية، ويمتلك ترسانة تكلف المليارات، لا يحق له أن يتعامل مع كوارث شعبه بعقلية “الجمعيات الخيرية” المفلسة. إن تعويض الناس وإعادة بناء منازلهم ومصالحهم هو فرضٌ وإلزامٌ ومسؤولية كاملة، وليس منّةً تُوزع في مغلفاتٍ مهينة.

في الختام..
احتفظوا بمئتي دولاركم. ضعوها في صناديق شعاراتكم الفارغة، أو ادفعوها لتلميع صوركم المتهالكة على شاشات التلفزة. أما أهل الجنوب والضاحية، فكرامتهم التي دُفنت تحت الركام لا تُشترى بمال الدنيا، وجراحهم أعمق بكثير من أن تُغطى بـ “بقشيش” المتكبرين المنفصلين عن الواقع. التاريخ لن يرحم من دمّر الحجر، ولن يغفر لمن أهان البشر.

ولا يسعنا أخيراً، إلا أن نتمنى بشدة أن يكون موضوع هذه الـ ٢٠٠ دولار مجرد شائعة خبيثة لا تمت للواقع بصلة. فإذا ما صحّ هذا الخبر وثبت توزيعه، فإننا سنكون أمام عارٍ يتراكم فوق العار، وإهانة مضاعفة تضاف إلى المأساة المستمرة وما عشناه ونعيشه من ويلات ودمار في الميدان. نرجو ألا يكون هذا الانحدار حقيقياً، لأن استرخاص تضحيات الناس بهذا الشكل هو قعرٌ أخلاقي لا يمكن ابتلاعه أو السكوت عنه.

الكاتب: أسعد نمّور

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram