في أشد ليالي لبنان حلكة، وحين يختنق الوطن بغبار الدمار وتصمّ آلة الحرب آذان الإنسانية، يأتي نداء البابا لاوون من قلب الفاتيكان ليخرق جدار الموت. لم يطلب الحبر الأعظم جيوشاً ولا قرارات أممية، بل وجّه بوصلة العالم نحو جبل لبناني تفوح منه رائحة البخور والقداسة: عنايا. لقد طلب من المؤمنين رفع صلاة الوردية من مزار القديس شربل، في رسالة رجاء مدوية تثبت أن لبنان، مهما نزف، يبقى “رسالة” أكبر من كل الحروب.
جبل القداسة وملاذ الموجوعين
في عنايا، حيث السكون ينطق بأعظم الكلمات، يقف مزار القديس شربل كحصنٍ روحي عصيٍّ على الانكسار. هناك، لا مكان لأصوات المدافع ولا للغة الكراهية؛ بل هناك سماءٌ مفتوحة على مصراعيها، وأشجار سنديانٍ تشهد على دموع التائبين والمتألمين.
هذا المكان المقدس ليس حكراً على أحد، والقديس شربل لم يكن يوماً قديساً لطائفة دون أخرى. إنه طبيب السماء الذي وحّد اللبنانيين حين فرّقتهم السياسة. تحت عباءته، يركع المسيحي والمسلم جنباً إلى جنب، تجمعهما لوعة الوجع ولهفة الأمل. خوارق هذا القديس العابر للطوائف والمذاهب هي الدليل القاطع على أن النسيج اللبناني واحد، وأن ما يجمع أبناء هذا الوطن في حضن الله أعمق بكثير مما تفرقه خنادق الأرض.
مسبحة الوردية: درعٌ في قلب العاصفة
دعوة البابا لاوون للصلاة من هذا المكان بالذات هي “انتفاضة روحية” في عز الحرب. إنها إعلان صارخ بأن آلة القتل مهما تجبرت، لا يمكنها أن تسحق إرادة الحياة المتجذرة في قلوب اللبنانيين. مسبحة الوردية التي تُتلى في عنايا هي سلاح السلام، ودرع الرجاء الذي يتصدى لثقافة الموت، وهي صرخة تقول للعالم أجمع: لبنان لن يموت، لأن جذوره ممتدة في السماء.
نداءٌ من السماء لفتح “أدمغة” الأرض
ولكن، لكي يكتمل الرجاء، يجب أن تلامس هذه الصلوات أرض الواقع المأساوي الذي نعيشه.
إننا نرفع الدعاء اليوم، ليس فقط لكي تُسمع هذه الصلاة في السماء، بل لكي تنزل كالصاعقة لتفتح أدمغة السياسيين اللبنانيين المتحجرة.
نتضرع إلى الله أن تخرق هذه الصلاة جدران العقم السياسي، وأن توقظ ضمائر من أوصلوا البلد إلى الهاوية، لعلهم يمتلكون الجرأة والشرف لقيادة هذا الوطن الممزق نحو ضفة الأمان.
وبكل وضوح ومسؤولية وطنية، نأمل أن تفتح هذه الصلاة عقول قيادات “حزب الله”، ليدركوا أن إنقاذ ما تبقى من لبنان يتطلب وقفة تاريخية شجاعة: إيقاف حمام الدم الفوري، والتخلي عن المكابرة، وتسليم السلاح طوعاً إلى الدولة اللبنانية. لقد حان الوقت للانضواء الكامل وغير المشروط تحت سقف الدولة الواحدة، والجيش الواحد، والقرار الواحد.
لا خلاص للبنان إلا بعودة جميع أبنائه إلى حضن المؤسسات الشرعية. لعلّ بخور عنايا وصلاة الوردية ينجحان في تطهير العقول والقلوب، ليولد لبنان الجديد، لبنان الدولة والقانون والسلام، من رحم هذه المعاناة.
الكاتب: أسعد نمّور