خاص- عندما تكون لا شيء وليس لك مكان

كتب أسعد نمّور لـarab files:

“أن تكون غريباً في وطنك، فتلك هي أقسى درجات النفي.”

في زحمة الأخبار العاجلة، وأصوات الدمار التي باتت الخلفية اليومية لمشهد لبناني متعب، يقف شاب في مقتبل العمر على ناصية شارع كان يعرفه يوماً. ينظر حوله، فلا يرى سوى ملامح وطن تغيرت، ووجوه أثقلتها الهموم. في داخله، يتردد صدى سؤال قاسٍ يفرضه الواقع المرير: ماذا تفعل عندما تشعر فجأة أنك “لا شيء”، وأن هذا الامتداد الجغرافي الذي تسميه وطناً، لم يعد يتسع لك؟

اغتراب في عقر الدار

لم يعد الاغتراب بحاجة إلى جواز سفر أو تذكرة طائرة ومغادرة مطار رفيق الحريري الدولي. الاغتراب اليوم هو شعور يعيشه الشاب اللبناني وهو جالس في غرفته، يتصفح أخبار الحرب، والانهيار الاقتصادي، والجمود السياسي.

ضياع الهوية: بين أزمات طاحنة وحرب تسرق ما تبقى من استقرار، يجد الشباب أنفسهم مجرد أرقام في إحصائيات الأخبار، أو ضحايا محتملين في صراعات فرضت عليهم.

تلاشي الأحلام: طموحات التخرج، وبناء مستقبل، وتأسيس عائلة، تبخرت جميعها لتستبدل بهدف واحد وموحش: البقاء على قيد الحياة.

عندما تسلبك الظروف أبسط حقوقك، وتجردك من قدرتك على التخطيط للغد، يتسلل إليك ذلك الشعور المدمر بالعدمية. تصبح المباني المألوفة غريبة، والشوارع التي شهدت طفولتك تبدو وكأنها تلفظك وتطلب منك الرحيل.

ثقل الـ “لا شيء”

أن تكون “لا شيء” في قاموس هذا الشاب التائه، لا يعني انعدام القيمة الإنسانية، بل هو انعكاس لانسداد الأفق. هو أن تصرخ ولا يسمعك أحد، أن تبذل جهدك في دراستك وعملك، لتكتشف أن كل ما تجنيه قد يتبخر في لحظة، وأن سقف أمانك قد ينهار بفعل غارة أو أزمة مفتعلة.

هذا الانفصال القسري عن المكان، يولد حالة من التوهان العميق. الشاب اللبناني اليوم يمشي في شوارع وطنه وكأنه يبحث عن مساحة آمنة، عن زاوية تقيه شر القلق، وعن بقعة تحترمه كإنسان له الحق في الحلم، فلا يجد أحياناً سوى الفراغ والوعود المؤجلة.

رحلة البحث عن الأمل في زوايا الركام

لكن، وفي قلب هذا الركام النفسي والمادي، تبرز غريزة البقاء التي طالما عُرف بها اللبنانيون؛ غريزة ترفض الاستسلام المطلق. رغم كل شيء، لا يزال هذا الشاب يبحث عن الأمل، ويسترق النظر إليه من ثقوب الجدران المتصدعة:

في تفاصيل يومية صغيرة: فنجان قهوة مع صديق قديم لم يهاجر بعد، يتشاركان فيه الصمت والضحكات الممزوجة بالأسى.

في التضامن المجتمعي: المبادرات الشبابية التي تتحدى الحرب، تجمع التبرعات، وتساعد النازحين والمحتاجين، لتثبت أن هذا الجيل قادر على تحويل شعور “اللا شيء” إلى طاقة عطاء هائلة تثبت وجوده.

في الإرادة الصلبة:الإصرار على فتح كتاب، أو الذهاب إلى عمل شاق، أو حتى كتابة منشور يعبر عن الرفض.. كلها أشكال من أشكال التمرد على الموت.

الأمل هنا ليس تفاؤلاً ساذجاً بأن الغد سيكون مثالياً أو أن الحرب ستنتهي بلمح البصر، بل هو قرار واعي بالصمود. هو التمسك بحق الوجود في بقعة جغرافية تحاول بكل قسوة أن تقتلع جذور أبنائها.

أنت لست “لا شيء”

إلى كل شاب لبناني تائه، ينظر إلى بيروت أو الجنوب أو البقاع أو الشمال، ويشعر اليوم أنه لا شيء وليس له مكان: هذا الوطن، بكل عيوبه وجراحه وحروبه، لا يزال مسرحاً لقصتك. محاولتك المستميتة للبحث عن الأمل وسط كل هذا الخراب، هي بحد ذاتها أعظم إثبات على أنك “كل شيء”.

قد تضيق الأمكنة، وقد تقسو الأيام، لكنك لست نكرة. أنت البذرة التي تنتظر انتهاء العاصفة لتشق الأرض وتزهر من جديد. والمكان، مهما بدا غريباً ومخيفاً اليوم، سيستعيد ملامحه متى استعدت أنت إيمانك بأنك تستحقه، وبأنه لا يكتمل إلا بك.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram