ليست الصواريخ هي التي تُحسم بها المعركة… بل اللحظة التي تخرج فيها من صمتها. هناك، في تلك الثواني الخاطفة، تبدأ حرب من نوع آخر: حرب اصطياد المنصّات.
في العمق الإيراني، لا تُرى المنصّات بسهولة. بعضها يختبئ كأشباح فوق شاحنات تجوب طرقاً ترابية، يتبدّل موقعها كل بضع ساعات. وبعضها الآخر يرقد في قلب الجبال، داخل ما يُعرف بـ”مدن الصواريخ”؛ أنفاق طويلة، أبوابها فولاذية، وسقوفها مصمّمة لتحمّل القصف. حين تُفتح، تخرج الصواريخ كأنها تُبعث من باطن الأرض.
قبل الحرب، كانت إيران تمتلك مئات المنصّات، شبكة معقّدة من الإطلاق الثابت والمتحرّك. اليوم، تغيّر المشهد. الضربات المتتالية حوّلت هذه الشبكة إلى خريطة مثقوبة. مئات المنصّات دُمّرت أو تعطّلت، فيما الباقي يعيش حالة مطاردة دائمة. لم يعد الإطلاق قراراً عسكرياً فحسب، بل مغامرة محسوبة بالثواني.
في السماء، لا تهدأ العيون. أقمار صناعية تراقب، مسيّرات تحلّق بصمت، وأنظمة تحليل تلتقط أي إشارة: حرارة محرّك، حركة غير اعتيادية، أو حتى ظلّ يتغيّر. وما إن تُكتشف المنصّة، تبدأ لعبة الزمن: ضربة قبل الإطلاق… أو لحظة اشتعال.
لكن إيران لم تُفاجأ بالكامل. هي تعرف هذه الحرب، وبنت لها مسبقاً. الأنفاق ليست فقط للتخزين، بل للإخفاء والخداع. منصّات وهمية، تحركات مضلّلة، وعمليات إطلاق سريعة تُشبه “اضرب واهرب”. هكذا تحافظ على ما تبقّى من قدرتها.
ورغم الخسائر الكبيرة، لم تصمت الصواريخ تماماً. الوتيرة انخفضت، نعم، لكن القدرة لم تُكسر كلياً. ما زالت هناك منصّات تتنفس تحت الأرض، تنتظر لحظة الخروج.
الخلاصة ليست في عدد ما دُمّر، بل في ما بقي مخفياً. فإيران لا تحتاج إلى كل منصّاتها لتُقلق خصومها… يكفي أن تنجو بعضها، لتبقى الحرب مفتوحة، ومعلّقة بين السماء والأنفاق.