في المشهد الإيراني، لا يمكن التعامل مع الإعلام بوصفه ناقلًا محايدًا للخبر، بل كجزء من بنية القرار نفسه. وتبرز ثلاث وكالات أساسية ترسم ملامح هذا الدور: وكالة فارس، إرنا، وتسنيم، حيث تتقاطع الصحافة مع الأمن والسياسة في مساحة واحدة.
تُعد “فارس” الأكثر إثارة للجدل، إذ تُصنّف كوكالة شبه رسمية قريبة من الحرس الثوري الإيراني. وغالبًا ما تعتمد على “مصادر مطلعة” أو “أمنية”، ما يجعلها منصة لتسريب الرسائل غير المباشرة. في أوقات التوتر، تتحول أخبارها إلى مؤشرات مبكرة على توجهات تصعيدية أو رسائل ردع، من دون أن تتحمل الدولة كلفة الإعلان الرسمي.
في المقابل، تمثل “إرنا” الصوت الرسمي للجمهورية الإسلامية. خطابها أكثر هدوءًا ودبلوماسية، ويعكس مواقف الحكومة كما هي، لا كما يُراد اختبارها. هنا، لا مكان للتسريبات أو الغموض، بل نصوص محسوبة تُخاطب الداخل والخارج بلغة الدولة.
أما “تسنيم”، فتقف في منطقة وسطى بين الإعلام والأيديولوجيا. ورغم ارتباطها أيضًا ببيئة الحرس الثوري الإيراني، إلا أنها أقل ميلًا إلى التسريب، وأكثر وضوحًا في التعبير عن الخط العقائدي للنظام، خصوصًا في القضايا الإقليمية.
هذا التمايز لا يعكس اختلافًا في المعلومات بقدر ما يكشف عن تعددية في الوظائف. فحين تنشر “فارس”، يُقرأ الخبر كإشارة أو اختبار. وحين تؤكد “إرنا”، يصبح الموقف رسميًا. أما “تسنيم”، فتقدم الخلفية الفكرية التي تبرر هذا الموقف.
بهذا المعنى، لا تُقرأ الوكالات الإيرانية كمصادر متنافسة، بل كأدوات متكاملة ضمن منظومة واحدة، حيث يتحول الخبر إلى أداة سياسية، ويصبح فهم السياق أهم من متابعة العنوان.