في مشهد درامي، استعرض رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام ضيفه النائب جبران باسيل صوراً لبلدة مجدل زون، التي شُطرت إلى نصفين يفصل بينهما وادٍ عميق. دمار هائل خلّفه تفجير العدو الإسرائيلي لنفق أقامه “الحزب الأصفر” تحت منازل المدنيين في غفلة عنهم. تبادل الطرفان التأثر والدهشة، وانهالا بالشتائم على العدو الإسرائيلي، مستنكرين إجرامه المتفلت رغم الحديث عن مسارات وقف إطلاق النار عبر بوابتي إسلام أباد وواشنطن.
لكن وسط هذا التأثر، غابت عن “الأستاذ” وضيفه تفاصيل جوهرية تضع السلطة و”حزب السلاح” أمام مسؤولية تاريخية.
أنفاق الجنوب: مدن عسكرية تحت منازل المدنيين
لماذا يعج الجنوب بأنفاق تشبه مدناً متكاملة للصواريخ والمسيرات؟ وبأي حق استباح “الحزب الأصفر” ومشغلوه قرى الجنوب ووديانه لبناء شبكة أنفاق تمتد لنحو 500 كيلومتر، على أعماق تتراوح بين 25 و35 متراً؟
هذه الأنفاق المجهزة بأنظمة التهوئة، الإضاءة، المياه، الإنترنت، وغرف الإقامة لأشهر، زُرعت تحت بيوت الآمنين، محولةً إياهم إلى دروع بشرية لحماية ترسانة عسكرية.
في مجدل زون، بلغ طول النفق 200 متر، بينما تجاوز طول أنفاق “القنطرة” 1200 متر، ما أدى تفجيرها إلى تحويل أجزاء واسعة من البلدة إلى وادٍ سحيق. ويبقى السؤال الأخطر حول أنفاق “علي الطاهر” ومحيطها وصولاً إلى كفرتبنيت والضاحية الجنوبية: هل صحيح أن هناك من رفض تسليم هذه الأنفاق للقوى العسكرية لتفكيكها بسبب امتناع الحزب؟ ألا يستحق هذا الخطر جهداً من الدولة لتسليمها للجيش اللبناني حمايةً لأرواح وممتلكات الناس؟
تواطؤ السلطة وتغييب الدولة
تحدث العدو الإسرائيلي عن العثور في نفق مجدل زون على طائرات مسيرة إيرانية الصنع، ومواد عسكرية، وبنية تحتية متكاملة لتجميع وتشغيل المسيرات، واصفاً إياها بـ”الذهب الخالص”. وبحسب التقارير، فإن بناء هذه التجهيزات استغرق سنوات طويلة.
هذه “المدن العسكرية” التي امتدت من الجنوب إلى الضاحية والبقاع تطرح أسئلة مشروعة ينتظر اللبنانيون إجابات عنها:
- كيف حوّل تنظيم عسكري مرتبط بـ”الحرس الثوري” مناطق لبنانية إلى قواعد عسكرية؟
- أين كانت أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية طوال عقد من الزمن؟
- ما هو دور البلديات والجهات الهندسية التي شاركت في التنفيذ؟
- كيف تُنفق أموال طائلة على هذه البنى العسكرية، بينما يُحرم الجنوب من ملجأ واحد يحمي المدنيين؟
إن تحويل الناس عن سابق تصور وتصميم إلى أكياس رمل للدفاع عن مصالح طهران وتوسعها من قزوين إلى المتوسط، يستوجب إحالة مسؤولي “حزب السلاح الإيراني” إلى القضاء. وما حدث يعكس إخفاقاً وتواطؤاً لتغطية نهج إجرامي انتهك السيادة والأمن، ولا بديل اليوم عن المحاسبة.
فضيحة الجوازات المزورة
في سياق المحاسبة المغيبة، يبرز التساؤل حول مصير التحقيق في فضيحة جوازات السفر المزورة التي أعلن عنها رئيس الحكومة، والتي مُنحت لأعداد غير معروفة من عناصر “الحرس الثوري”. من حق الرأي العام معرفة نتائج التحقيقات، خصوصاً بعد أن استدعى القضاء اللبناني كلاً من اللواء عباس إبراهيم وخلفه اللواء الياس البيسري للاستماع إليهما.
“الاتفاق الإطاري”: المسار الوحيد للإنقاذ
أمام هول الكارثة، وتوريط لبنان في حرب “إسناد” غزة التي هلّل لها البعض وسهّل طريقها، لا بديل عن المضي بـ”الاتفاق الإطاري”. ورغم الثغرات التي تشوبه نتيجة تهميش الدولة وهيمنة السلاح اللاشرعي وتحويل لبنان إلى صندوق بريد للخارج، يبقى هذا المسار التفاوضي الشاق الخيار الوحيد.
إن العدو الإسرائيلي لن يقدم هدايا مجانية، لكن هذا المسار هو المخرج الأوحد من دوامة الحروب المستنسخة لخدمة أجندات خارجية. وهو الطريق الوحيد لتحرير الأرض، استعادة الجنوب، وضمان العودة الآمنة للنازحين الموجوعين.
في صبيحة اليوم الـ 2451 على انطلاق “ثورة الكرامة”، يتأكد مجدداً أن المحاسبة يجب أن تطال الجميع: “كلن يعني كلن”، وفي مقدمتهم “حزب السلاح الإيراني” ومنظومة الفساد التي تساكنت مع السلاح اللاشرعي والاحتلالات.
