بقلم بول ابي راشد:
رغم الأزمات الاقتصادية والسياسية التي يعيشها لبنان، تبقى البيئة من أكثر الملفات التي يُنظر إليها على أنها قابلة للتأجيل، في حين أنها في الواقع تشكل أساس الأمن الصحي والغذائي والمائي والاقتصادي. فكل شجرة تُقطع، وكل غابة تحترق، وكل نهر يتلوث، وكل شاطئ يُعتدى عليه، هو خسارة مباشرة لرأسمال لبنان الطبيعي ولحق الأجيال المقبلة في العيش ببيئة سليمة.
المفارقة أن لبنان لا يعاني من نقص في القوانين البيئية. فمن قانون حماية البيئة، إلى قانون الغابات، وأصول تقييم الأثر البيئي، والاتفاقيات الدولية التي انضم إليها، يمتلك لبنان إطارًا تشريعيًا متقدمًا نسبيًا. إلا أن المشكلة تكمن في التطبيق. فلا قيمة لأي قانون إذا بقي حبرًا على ورق، ولا جدوى من القرارات إذا غابت الرقابة والمحاسبة.
لقد كشفت السنوات الأخيرة حجم الضغوط التي تتعرض لها الطبيعة اللبنانية. فحرائق الغابات أصبحت أكثر تكرارًا واتساعًا نتيجة التغير المناخي والإهمال البشري، فيما تستمر الاعتداءات على الأحراج، والتوسع العمراني غير المنظم، والكسارات والمرامل، والتلوث الذي يطال الأنهر والشواطئ، في ظل ضعف الإمكانات وتشتت المسؤوليات بين الإدارات المختلفة.
لكن تحميل الدولة وحدها المسؤولية لم يعد كافيًا. فحماية البيئة مسؤولية جماعية، تبدأ من المواطن الذي يلتزم بالقانون، مرورًا بالبلديات التي تمثل خط الدفاع الأول عن الموارد الطبيعية، وصولًا إلى الجمعيات البيئية والجامعات ووسائل الإعلام والقطاع الخاص. لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات المحلية القادرة على المشاركة في الرصد والتبليغ والتوعية هي الأكثر نجاحًا في الحد من التعديات البيئية.
وفي الوقت نفسه، لم يعد مقبولًا أن تعتمد الإدارة البيئية على الوسائل التقليدية فقط. فالتكنولوجيا أصبحت شريكًا أساسيًا في حماية الطبيعة. إذ تتيح الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي رصد التعديات على الغابات، والكشف المبكر عن الحرائق، ومراقبة التغيرات في الغطاء الحرجي، بما يساعد الجهات المختصة على التدخل السريع واتخاذ قرارات مبنية على بيانات دقيقة. كما أن المنصات الرقمية تتيح للمواطنين الإبلاغ عن المخالفات البيئية بصورة فورية، مما يعزز الشفافية ويزيد من فعالية الرقابة.
إن لبنان يمتلك كل المقومات ليكون نموذجًا إقليميًا في الإدارة البيئية، بفضل تنوعه البيولوجي، وكفاءات خبرائه، وحيوية المجتمع المدني. إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضع حماية البيئة في صلب السياسات العامة، باعتبارها استثمارًا في الاقتصاد والصحة والسياحة والأمن المائي، وليس عبئًا على التنمية.
لقد آن الأوان للانتقال من إدارة الكوارث بعد وقوعها إلى ثقافة الوقاية قبل حدوثها. فالاستثمار في حماية الغابات أقل كلفة من إخماد الحرائق، ومعالجة مصادر التلوث أقل كلفة من علاج الأمراض، واحترام القانون أقل كلفة من إصلاح الأضرار. إن مستقبل لبنان لن يُقاس فقط بما يبنيه من مشاريع، بل أيضًا بما ينجح في حمايته من ثرواته الطبيعية، لأنها الثروة الوحيدة التي لا يمكن تعويضها إذا فُقدت.
