كتب الصحافي مروان المتني:
في عشاء في المختارة في شباط 2017، قال لي وليد جنبلاط بتلك الطريقة التي لا يشبه فيها أحداً: “ميشال عون واضح.. يريد رئاسة الجمهورية وزعامة المسيحيين.. صاحبك جعجع شو بدو؟ بدو يعمل قديس؟ بطريرك؟ والست رضا شو بيعمل فيها؟ قلو ما بقا يجاوبني متل ما الله بيريد.. وإذا الله راد، يكون واضح ويقول علناً ماذا يريد.”
لم تكن هذه المرة الأولى التي أجلس فيها مع جنبلاط. كانت علاقتنا قد بدأت في نوفمبر 2004، في واشنطن، حين أبلغته أنا وزميلتي في LBC حينها شدا عمر التي أصبحت زوجتي وأم أولادي لاحقاً ، بفحوى حديث هام جرى بيننا وبين نائب وزير الدفاع الأمريكي بول ولفوفيتز، أحد أقوى الشخصيات في إدارة بوش الابن، وقدّرت أن من واجبي إبلاغه به كي يبلغ بدوره الرئيس رفيق الحريري.
أظهر جنبلاط في ذلك اللقاء امتناناً حقيقياً. لكنه أصرّ أيضاً على معرفة لماذا كنت قد تجنبت لقاءه طوال أربعة عشر عاماً منذ 1990. هنا أفرغت ما تراكم في داخلي، بطريقة حازمة ربما فاجأته، وتحدثت عن المجازر والإبادة التي طالت المسيحيين، وقلت له بوضوح أنني لن أنسى ولن أسامح قبل أن تحدث مصالحة فعلية بين الناس، لا بين الزعامات، مصالحة يرافقها اعتراف وتكفير وتوبة.
خرج جنبلاط من الصالون. تركنا وحيدين أكثر من ربع ساعة. ثم عاد ومعه كتابان، أهدى أحدهما لشدا والآخر لي، وقال: “أشكرك على صراحتك. سيكون لنا الكثير من اللقاءات.”
وكانت اللقاءات. وكان فيها من الاحترام والمودة والصراحة ما جعلني أفهم أعمق طبيعة هذا الرجل الذي يصفه مؤيدوه بعامود السماء، ذلك العقل السياسي الذي لا يُضاهى، والذي يحمل في باطنه متناقضات لبنان كلها ويعيشها بلا تناقض.
أما سمير جعجع، فعلاقتي به مختلفة في جذورها. اخترته منذ انتفاضة 12 آذار 1985 وكان عمري ستة عشر عاماً وبفضله كمثال وقائد انضممت إلى القوات اللبنانية بعدما بكيت بشير وانا في ال 13 بحسرة . وفي عام 1992 انضممت إلى أول دورة إعادة تأهيل أدارها الحكيم شخصياً، هدفها تحويل القوات اللبنانية من ميليشيا عسكرية إلى حزب سياسي بكل ما للكلمة من معنى.
بعد انتهاء الدورة استدعاني جعجع. وكان ذلك أول لقاء شخصي بيننا خارج إطار الاجتماعات الأوسع. قال لي: “ما تشوف حالك علينا لأنك طلعت الأول بـ IQ Test.” ثم طرح عليّ مسألتين كان متردداً فيهما رغم كل ما درسه: الفيدرالية، والعلاقة مع المكوّن الدرزي تحديداً.
تحدثنا طويلاً. واستمدت وجهة نظري من تجربة والدي اللصيقة بالزعيم كمال جنبلاط، إذ عمل رئيساً لتحرير صحيفة الأنباء منذ عام 1958، بعيد اغتيال خاله الصحافي المغدور نسيب المتني، حتى قبيل اندلاع الحرب الأهلية في نيسان 1975 . استمع جعجع باهتمام وطلب مني تأمين موعد لوالدي معه.
خرجت من ذلك اللقاء بإعجاب عميق بهذا الرجل الذي يرى فيه محبوه خليفة يوحنا مارون، حارس الكيان الماروني وصون الوجود المسيحي في الشرق، ذلك القائد الذي يحمل مشروعاً أكبر من الزعامة، أو هكذا يؤمن ويُؤمَن به.
سعى رئيس الحكومة سعد رفيق الحريري، الذي جمعتني به علاقة مودة تحولت إلى نوع من الصداقة، لأننا في العمر ذاته تقريباً، ولأنه رأى فيّ الشخص الصادق الذي يريد مصلحة لبنان من خلال تماسك 14 آذار، دون أن يسعى لمال أو نفوذ أو خدمات شخصية.
سعى سعد إلى تقريب وليد جنبلاط وسمير جعجع حين بدأ يستشعر خطر تفسخ التحالف السياسي العريض بسبب التنافس بين الزعيمين. فدعاهما إلى عشاء في دارته، دون زوجاتهما، وآثر دعوة الرئيس السابق أمين الجميل، فأجلسه في مواجهته، بينما أجلس سمير ووليد في مواجهة بعضهما البعض.
كان الجو بلا تكلفة. طعام لذيذ طبخ قسماً منه سعد بنفسه. ونبيذ فاخر.
بعد الأحاديث عن الأحداث الآنية والتحديات، قرر وليد أن يبدأ بأسلوبه الساخر الحاد المعهود. نظر إلى سمير وقال: “لما لقطك البتديني بناضور القناصة، وانت عم تخطب بمحازبيك بالمنشية بدير القمر، اتصلوا فيّي بالجهاز وسألوني: منصفيه؟ فكّرت وقلت: لا، تركوه محاصرين ورح يفلّوا. شو يا سمير، غلطت وتركتك؟”
أخرج سمير جعجع ذاكرته بالمثل. ذكّر جنبلاط بمحاولة الاغتيال التي نفذتها القوات اللبنانية ضده وأُصيب فيها داخل سيارته بعبوة كبيرة. وعلّق ببرود: “لو ما زمطت بأعجوبة، يمكن كان ارتاح لبنان.”
واصل الرجلان تذاكر محاولات الاغتيال بينهما، بأسلوب ساخر لكن حاد جداً.
في تلك اللحظة، اقترب أمين الجميل من سعد وهمس: “أيديهما ملطخة بالدماء لدرجة عالية.”
خاف سعد للحظة من مسار الحديث. ثم عاد وراقب المشهد بعيون مختلفة. واعتبر ما جرى أول غسيل قلوب حقيقي بين هذين الـ warlords.
غسيل قلوب. لكن القلوب لم تنظف تماما على ما يبدو ..
وبعد كل هذا، وبعد كل هذه السنوات، أصل إلى خلاصة واحدة : حين يتواجه أنصاف الآلهة، يدفع الفانون- امثالنا الثمن.