كتب أسعد نمّور لـarab files:
لطالما وقفت قلعة الشقيف، بعظمتها التاريخية وشموخها الجغرافي، كحارس أبديّ للجنوب اللبناني. هذه القلعة التي حفرت اسمها في صخر التاريخ كعصيّة على الغزاة، تحولت اليوم إلى شاهد حيّ وصارخ على حجم الكارثة التي جرّت ميليشيا “حزب الله” لبنان إليها. إن سقوط هذا الرمز السيادي، وعودة الجيش الإسرائيلي للتموضع فيه، ليس مجرد خسارة جغرافية، بل هو تعرية كاملة وفاضحة لسردية “المقاومة” المزيفة التي تاجر بها الحزب لعقود، محوّلاً لبنان إلى مجرد ساحة لتصفية الحسابات وورقة مساومة رخيصة في خدمة الأجندة الإيرانية.
رمزية الشقيف: من حصن للوطن إلى ضحية لمغامرات الميليشيا
تكمن رمزية قلعة الشقيف في كونها نقطة التقاء السماء بالأرض في الجنوب، موقع يختزل كرامة الجغرافيا اللبنانية. لقد بنى حزب الله طوال سنوات أمجاده الوهمية وأساطيره على ذكرى الانسحاب الإسرائيلي من هذه القلعة عام 2000، مسوّقاً لنفسه كدرع للبنان. ولكن، ما النتيجة اليوم؟
النتيجة هي أن غطرسة الحزب، وارتهانه الأعمى لمحور طهران، ومغامراته العبثية غير المحسوبة، قد أعادت عقارب الساعة إلى الوراء. لقد سلّم الحزب – بحماقته السياسية والعسكرية – مفاتيح حصون لبنان التاريخية للاحتلال على طبق من ذهب. إن مشهد الجيش الإسرائيلي في قلعة الشقيف اليوم هو النصب التذكاري الأكبر لفشل حزب الله، وسقوط مدوٍ لادعاءاته بحماية لبنان؛ فالجهة التي تحتكر السلاح بحجة “الردع” هي ذاتها التي استجلبت الدمار والاحتلال إلى أعمق نقاط السيادة اللبنانية.
الأثر الاستراتيجي والعسكري: “عين الصقر” التي تخنق حزب الله
عسكرياً واستراتيجياً، لا يمكن الاستهانة بحجم الكارثة الميدانية التي يمثلها التواجد الإسرائيلي في قلعة الشقيف. هذا الموقع لا يمثل مجرد تلة مرتفعة، بل هو “عين الصقر” التي تسيطر على مسرح العمليات بالكامل، وتأثيره على مسار الحرب ضد حزب الله يعتبر حاسماً ومميتاً للميليشيا للأسباب التالية:
- السيطرة الطبوغرافية المطلقة: ترتفع القلعة بشكل شاهق لتكشف مساحات شاسعة من الجنوب اللبناني. التمركز الإسرائيلي فيها يعني كشفاً بصرياً ونارياً كاملاً لمجرى نهر الليطاني، ومدينة النبطية، ومحيطها. هذا يسلب حزب الله أي قدرة على المناورة أو التخفي في هذه الجغرافيا المعقدة.
- شلّ خطوط الإمداد والحركة: من هذا الارتفاع الاستراتيجي، تصبح كل طرق الإمداد والتحركات اللوجستية لعناصر حزب الله في القطاعين الأوسط والشرقي مكشوفة تماماً وتحت رحمة النيران المباشرة والمدفعية الإسرائيلية. القلعة تعمل كنقطة خنق (Choke Point) تقطع أوصال الميليشيا وتفصل وحداتها عن بعضها البعض.
- التفوق الاستخباراتي والراداري: لا يقتصر الأمر على الرؤية بالعين المجردة. تحويل الشقيف إلى منصة رصد وتوجيه إلكتروني يمنح الجيش الإسرائيلي تفوقاً استخباراتياً ساحقاً، مما يسمح باعتراض الاتصالات، وتوجيه ضربات استباقية دقيقة، وتحييد أي منصات صاروخية يحاول الحزب نصبها في الأودية المحيطة.
- انهيار العمق الدفاعي للحزب: سقوط الشقيف يعني فعلياً انهيار خطوط الدفاع الأمامية لحزب الله واختراق عمقه الاستراتيجي في جنوب الليطاني. إنها ضربة قاصمة للبنية العسكرية التي صرف الحزب سنوات ومليارات الدولارات (على حساب الشعب اللبناني) لبنائها، لتتهاوى كأحجار الدومينو بسبب قرارات انتحارية.
الخلاصة: ثمن الارتهان
إن وجود الجيش الإسرائيلي في قلعة الشقيف ليس دليلاً على قوة إسرائيل فحسب، بل هو بالأساس دليل صارخ على ضعف لبنان وهشاشته عندما يتم اختطافه من قبل ميليشيا مسلحة. لقد أثبتت هذه الحرب، بما لا يدع مجالاً للشك، أن سلاح حزب الله لم يكن يوماً لحماية لبنان، بل كان أداة لتدميره.
قلعة الشقيف اليوم تقف كشاهد صامت ينطق بالحقيقة المرة: لا سيادة تُحفظ، ولا كرامة تُصان، في ظل دولة مخطوفة وميليشيا جعلت من أجساد اللبنانيين وأرزاقهم وتاريخهم أكياس رمل في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. استعادة الشقيف، واستعادة الجنوب، لن تبدأ إلا باستعادة الدولة اللبنانية لقرارها، وكنس وهم “الميليشيا الحامية” إلى مزبلة التاريخ.