
عقد “لقاء الهوية والسيادة” مؤتمره بعنوان “السلام: حالة كيانية أم ثقافة واختبار؟”، بحضور شخصيات دينية وسياسية وأكاديمية وإعلامية واجتماعية، لمناقشة مفهوم السلام بوصفه خيارًا وطنيًا وثقافةً لبناء الدولة، لا مجرد غياب للحرب، مؤكدًا في ختام أعماله أن السلام يشكل المدخل إلى بناء الدولة اللبنانية الحديثة.
وافتُتحت أعمال المؤتمر بكلمة لرئيس اتحاد بلديات كسروان الفتوح ورئيس بلدية زوق مكايل إيلي بعينو، الذي رحّب بالمشاركين، مؤكدًا أن لبنان أحوج ما يكون اليوم إلى مساحات للحوار الوطني المسؤول، وإلى مبادرات تعيد ترسيخ ثقافة العيش المشترك والاستقرار.
وتناول المؤتمر ثلاثة محاور رئيسية، هي: البعد الفكري والكياني للسلام، وكلفة غياب السلام على الاقتصاد اللبناني، ومتطلبات بناء دولة قادرة على حماية سيادتها وأمنها، انطلاقًا من قناعة بأن السلام ليس حدثًا سياسيًا عابرًا، بل مشروعًا وطنيًا طويل الأمد.

وأكد رئيس لقاء الهوية والسيادة، الوزير السابق يوسف سلامة، أن السلام مع لبنان حاجة إسرائيلية بقدر ما هو حاجة لبنانية، معتبرًا أن سلام إسرائيل مع الدول العربية هو سلام مع أنظمة، بينما السلام مع لبنان هو سلام مع الشعب، ومن خلاله تُخترق الشعوب العربية. ورأى أن لبنان ازدهر كلما كان مساحة لقاء، وتراجع كلما حُوِّل إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية، معتبرًا أن السلام لا يتعارض مع السيادة، بل يشكل شرطًا لحمايتها، وأن قيام دولة تحتكر قرار الحرب والسلم هو المدخل الطبيعي لاستعادة دور لبنان واستقراره.
بدوره، عرض الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي الكلفة الاقتصادية الباهظة التي تكبدها لبنان نتيجة عقود من النزاعات وعدم الاستقرار، والتي انعكست انهيارًا اقتصاديًا، وهجرة للكفاءات، وتراجعًا في الاستثمار وفرص النمو، مؤكدًا أن السلام يشكل أيضًا خيارًا اقتصاديًا وتنمويًا يفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة واستعادة ثقة اللبنانيين والعالم بها.
من جهته، أوضح العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا أن حماية السلام تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء دولة قادرة، عبر تطوير إطار دفاعي وطني متكامل يعزز جاهزية المؤسسات الشرعية، ويكرّس سيادة الدولة على كامل أراضيها وحدودها، ويؤمن الاستقرار كشرط أساسي لبناء الدولة الحديثة.
وفي ختام المؤتمر، تلا عضو لقاء الهوية والسيادة قصي شرف الدين المقررات، التي دعت إلى تعزيز الهوية اللبنانية الجامعة، وترسيخ حق الأجيال المقبلة بالاستقرار، وتعزيز حصرية قرار الدفاع بيد الدولة، وبناء إطار دفاعي وطني يواكب حاجات لبنان، واعتماد الحياد بما يحفظ المصلحة الوطنية، وإطلاق مجلس وطني لتقييم كلفة النزاعات والفرص الضائعة، إلى جانب ورشة إصلاح سياسي وإداري، ومبادرات تربوية وثقافية وشبابية تعزز الحوار والثقة والمواطنة.
واختُتم المؤتمر بحوار أدارته الإعلامية إيلديكو إيليا، خلص إلى أن السلام ليس هدنة بين حربين، بل ثقافة تُبنى وهوية تُصان واختبار دائم لقدرة الدولة على حماية الإنسان، وأن كلفة غياب السلام لا تُقاس بما خسره لبنان ماديًا فحسب، بل أيضًا بما خسره من فرص كان يمكن أن تصنع مستقبله، فيما شددت الورقة الأمنية على أن السلام يحتاج إلى دولة قادرة، والدولة القادرة تحتاج إلى إطار دفاعي وطني يحمي الإنسان، ويصون الحدود، ويكرّس سيادة القانون على الجميع.
وأكد المشاركون في ختام أعمال المؤتمر أن السلام الذي يحتاجه لبنان ليس مجرد تسوية سياسية، بل مشروع دولة متكامل يجمع بين السيادة والحرية، والتنمية والعدالة، ويعيد إلى لبنان دوره الطبيعي كمساحة لقاء ورسالة حضارية في محيطه العربي والمتوسطي.
