يونيو 27, 2026
الأحداث الإقليمية

خارطة طريق لـ “جمهورية ثالثة”

كتب بيتر جيرمانوس عبر منصة إكس:

‏نحو نظام اتحادي لبناني قائم على المحافظات التسع وانتخاب رئيس الجمهورية مباشرة عبر كبار الناخبين

‏إنّ البحث في النظام الاتحادي اللبناني لا يجب أن يُقدَّم كخروج على اتفاق الطائف، بل كعودة إلى روحه غير المطبّقة. فالطائف لم يكن مجرد تسوية لإنهاء الحرب، بل كان مشروع إعادة بناء للدولة اللبنانية على قاعدة حصرية السلاح، وتوسيع المشاركة المحلية، وإعادة النظر في التقسيم الإداري، واعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة. غير أن ما طُبّق من الطائف كان غالباً توزيعاً للسلطة داخل المركز، لا تحريراً للمجتمع من اختناق المركز.

‏من هنا، يمكن اقتراح نظام اتحادي لبناني يقوم على تسع محافظات اتحادية هي: بيروت عاصمة اتحادية، حارة حريك، جبل لبنان الجنوبي، طرابلس، بعلبك، زحلة، الشوف، صيدا، جبل عامل، والجنوب.

‏هذه المحافظات لا تُنشأ بوصفها كانتونات طائفية مغلقة، بل وحدات دستورية إدارية وسياسية تتمتع بشخصية عامة اتحادية، ضمن دولة لبنانية واحدة، ذات سيادة واحدة، جيش واحد، سياسة خارجية واحدة، عملة واحدة، ومحكمة دستورية اتحادية واحدة.

‏جوهر هذا النظام هو نقل لبنان من مركزية عاجزة إلى اتحادية منضبطة. فالسلطة الاتحادية تحتفظ بالاختصاصات السيادية: الدفاع الوطني، العلاقات الخارجية، الجنسية، العملة، القضاء الدستوري، الجمارك، المرافئ والمطارات الكبرى، السياسة النقدية، والحقوق الأساسية. أما المحافظات الاتحادية فتتولى التعليم المحلي، الصحة، النقل الداخلي، البلديات، الشرطة المحلية، المياه، الكهرباء، الاتصالات، التخطيط العمراني، الجباية المحلية، إدارة الأملاك العامة المحلية، والتنمية الاقتصادية ضمن حدود الدستور الاتحادي.

‏بهذا المعنى، لا تكون الاتحادية تفكيكاً للدولة، بل إعادة تركيب لها. الدولة المركزية الطائفية اللبنانية أثبتت أنها عاجزة عن إدارة التعدد، لأنها حوّلت التعدد إلى فيتو دائم. أما النظام الاتحادي فيحوّل التعدد إلى مسؤولية محلية قابلة للمحاسبة. المواطن لا يعود أسير وزارة بعيدة أو زعيم مركزي، بل يصبح قادراً على محاسبة سلطة قريبة منه، تنتخب محلياً، وتنفق محلياً، وتُحاسب محلياً.

‏أما في مسألة رئاسة الجمهورية، فإن الدستور الحالي ينتخب الرئيس داخل مجلس النواب. لذلك يقتضي النظام المقترح تعديلاً دستورياً جوهرياً يجعل رئيس الجمهورية منتخباً من الشعب، ولكن عبر صيغة اتحادية مستوحاة من النموذج الأميركي، أي عبر “كبار الناخبين” والأصوات الانتخابية للمحافظات.

‏يقوم النظام المقترح على أن يصوّت المواطنون في كل محافظة اتحادية للائحة رئاسية تضم مرشحاً للرئاسة ومرشحاً لنائب الرئاسة، ومعهما لائحة كبار ناخبين معلنة مسبقاً. تفوز اللائحة التي تنال أكثرية الأصوات الشعبية في المحافظة بكامل الأصوات الانتخابية المخصصة لتلك المحافظة، ما لم يقرر الدستور اعتماد قاعدة نسبية في بعض المحافظات حمايةً للتوازن الداخلي.

‏تُحتسب الأصوات الانتخابية لكل محافظة وفق معادلة مزدوجة: عدد ثابت يضمن المساواة بين المحافظات، وعدد متحرك مرتبط بعدد السكان أو بعدد النواب الاتحاديين. مثلاً، تُمنح كل محافظة صوتين انتخابيين ثابتين، يضاف إليهما عدد من الأصوات بحسب التمثيل السكاني. بهذه الطريقة لا تبتلع المحافظات الكبرى المحافظات الصغرى، ولا تتحول المحافظات الصغرى إلى قوة تعطيل مطلقة.

‏أما بيروت، بصفتها عاصمة اتحادية، فيمكن منحها وضعاً خاصاً شبيهاً بالعاصمة الاتحادية: إدارة محلية منتخبة، تمثيل انتخابي محدود، وخضوع مباشر لبعض الاختصاصات السيادية للسلطة الاتحادية، حفاظاً على رمزية العاصمة ووظيفتها الوطنية الجامعة.

‏يشترط لفوز رئيس الجمهورية أن ينال المرشح الأكثرية المطلقة من مجموع الأصوات الانتخابية. فإذا لم يحصل أي مرشح على هذه الأكثرية، تُحال النتيجة إلى مجلس اتحادي للمحافظات، حيث تصوّت كل محافظة بصوت واحد بين المرشحين الاثنين الحاصلين على أعلى عدد من الأصوات الانتخابية. وبذلك يصبح رئيس الجمهورية محتاجاً إلى انتشار وطني حقيقي، لا إلى أكثرية عددية عمياء في منطقة واحدة.

‏هذا النظام يحقق ثلاث غايات دستورية. أولاً، يعطي الشعب دوراً مباشراً في اختيار الرئيس، فينهي منطق الفراغ الرئاسي والتعطيل النيابي. ثانياً، يحافظ على التوازن الاتحادي، لأن الفوز بالرئاسة لا يكون بعدد الأصوات الشعبية فقط، بل أيضاً بالقدرة على كسب المحافظات. ثالثاً، يخلق رئيساً ذا شرعية وطنية عابرة للطوائف والمناطق، لا رئيس تسوية مغلقة بين الزعماء المافيوقراط.

‏لكن أي نظام اتحادي لا معنى له من دون حصرية السلاح. لذلك يجب أن ينص الدستور الاتحادي صراحة ان لا أمن خارج السلطة الشرعية الاتحادية والمحلية.

‏ الاتحادية هنا ليست تقسيم الارض، بل تقسيم السلطة لمنع احتكارها وصرفها. وليست نهاية لبنان، بل محاولة أخيرة لجعله دولة قابلة للحياة.