إذا كان لا بد من اختصار الاتفاق الإطاري بكلمتين، فهما: السيادة والتحرير.
المفارقة التي ستؤلم حزب الله أكثر من أي بند آخر، أن الوثيقة تسحب منه الاحتكار المعنوي لهاتين الكلمتين. فطوال أكثر من أربعة عقود، قدّم نفسه على أنه طريق التحرير، فإذا بالاتفاق يقول إن التحرير يمر بالدولة. وقدّم نفسه على أنه ضمانة السيادة، فإذا بالنص يؤكد أن السيادة تبدأ يوم يصبح السلاح واحداً، والقرار واحداً، والحرب والسلم بيد حكومة واحدة.
هذه ليست هزيمة عسكرية فحسب، بل هزيمة سردية كاملة.
للمرة الأولى، تصبح المعادلة معكوسة. لم يعد المطلوب أن تتعايش الدولة مع سلاح حزب الله، بل أن ينسحب الاحتلال مع عودة الدولة. ولم يعد المطلوب أن يبرر لبنان وجود ميليشيا مسلحة، بل أن يثبت أنه قادر على احتكار القوة الشرعية على كامل أراضيه.
هنا يكمن الانقلاب الحقيقي.
فالوثيقة لا تتحدث عن “المقاومة”، بل عن الجيش اللبناني. لا تتحدث عن “توازن الردع”، بل عن احتكار الدولة للقوة. لا تتحدث عن “وحدة الساحات”، بل عن سيادة لبنان. ولا تمنح أي شرعية لأي جهة تدّعي حق الحرب باسم اللبنانيين.
هذه ليست مجرد مصطلحات. إنها إعادة تعريف للبنان نفسه.
حزب الله بنى شرعيته على ثلاثية ثابتة: الاحتلال، والسلاح، والادعاء بأن الدولة عاجزة. أما هذا الاتفاق، فينسف الأركان الثلاثة دفعة واحدة. إسرائيل تعلن أنها لا تطالب بأي أرض لبنانية، وتربط انسحابها باستكمال انتشار الجيش اللبناني، فيما يلتزم لبنان بأن تكون الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. عندها، ما الذي يبقى من وظيفة السلاح الموازي؟
بل أكثر من ذلك، فإن الاتفاق يقول شيئاً ظل حزب الله يرفض الاعتراف به طوال سنوات: لا سيادة في ظل سلاحين، ولا تحرير في ظل دولتين، ولا استقلال في ظل قرار حرب يصدر خارج المؤسسات الدستورية.
كم مرة قيل للبنانيين إن نزع السلاح يعني تسليم لبنان؟ فإذا بالاتفاق يقول العكس تماماً: نزع السلاح هو الطريق إلى انسحاب إسرائيل، وإلى إعادة الإعمار، وإلى عودة الناس، وإلى استعادة القرار الوطني.
أي أن التحرير لم يعد نتيجة السلاح، بل نتيجة الدولة.
أما السيادة، فلم تعد شعاراً يرفع في الخطب، بل برنامجاً تنفيذياً يبدأ باحتكار القوة، ويمر عبر الجيش اللبناني، وينتهي بإنهاء أي وصاية على القرار الوطني، أياً كان مصدرها.
لهذا السبب، لا يخوض حزب الله معركته ضد الاتفاق دفاعاً عن الحدود، بل دفاعاً عن السردية التي عاش عليها. لأن الاعتراف بأن الدولة قادرة على تحرير الأرض وحماية الحدود يعني الاعتراف بأن مشروع “الدولة داخل الدولة” انتهى سياسياً وأخلاقياً.
الحقيقة التي يكشفها هذا الاتفاق بسيطة وقاسية في آن واحد: لبنان لا يستعيد سيادته بالحروب المفتوحة، بل باستعادة الدولة. ولا يحرر أرضه بوجود سلاح خارج الشرعية، بل بجيش واحد، وقرار واحد، ودولة واحدة.
وهذا، تحديداً، هو أكثر ما يخشاه حزب الله.
أخبار لبنان
الرئيسية
الموقف اليوم_الاتفاق الذي يحرّر لبنان… لا الذي يحرّر حزب الله
- by arab files
- 0 Comments
- Less than a minute
- ساعة واحدة ago
