لقد عصفت الأحداث العسكرية في عام 2026 بأركان الدولة اللبنانية، ولم تكن كرة السلة ــ “اللعبة الشعبية الأولى” ومتنفس اللبنانيين ــ بمنأى عن هذا الدمار. فبعد أن شهد عام 2025 انتعاشاً حذراً ومحاولات لإعادة بناء ما دمرته أزمات سابقة، جاءت حرب 2026 لتضع اللعبة في مواجهة وجودية. ومع تصاعد العمليات العسكرية في الربع الأول من عام 2026، اضطر الاتحاد اللبناني لكرة السلة إلى اتخاذ قرار مرير بتعليق الدوري المحلي وكافة الأنشطة الرياضية إلى أجل غير مسمى. لم يكن القرار ترفاً، بل ضرورة أمنية بعد أن أصبحت الملاعب والتنقلات تشكل خطراً على حياة اللاعبين والجماهير. هذا التوقف لم ينهِ الموسم فحسب، بل وضع الأندية في مأزق قانوني ومالي تجاه العقود المبرمة. وكانت الهجرة هي السمة الأبرز لهذا العام، ويمكن تقسيمها إلى مستويين: أولاً، اللاعبون الأجانب؛ فمع دوي أولى الانفجارات، شهدت الأندية اللبنانية “نزوحاً جماعياً” للمحترفين الأجانب، حيث غادر نجوم كبار مثل باريس باس (الحكمة) ونوني أموت (الرياضي) وديزمون واشنطن (البترون) إلى دوريات أكثر أماناً. ثانياً، اللاعبون المحليون؛ إذ لم يتوقف الأمر عند الأجانب، بل إن الركائز الأساسية للمنتخب الوطني بدأت بالبحث عن عقود خارجية لتأمين مستقبلها، فانتقل لاعبون مثل جيمي سالم إلى الدوري الياباني، بينما فضل آخرون الاحتراف في دوريات المنطقة العربية للحفاظ على مستواهم الفني والبدني.
وفي موازاة هذا الواقع، باشرت عدة أندية تنفيذ خطط طوارئ للحفاظ على استمراريتها، يتقدمها نادي الحكمة برعاية جهاد بقرادوني الذي وضع إجراءات مالية وتنظيمية صارمة لضبط النفقات وحماية اللاعبين وضمان جهوزية الفريق فور عودة المنافسات الرسمية رغم قسوة الظروف الحالية واستمرارية النشاط الرياضي مستقبلاً
وتعتبر الجاهزية البدنية للاعب المحترف مرتبطة بسلسلة منتظمة من التمارين والمباريات، وفي ظل الحرب واجهت اللعبة تحديات قاسية مثل توقف التدريبات بعد أن أغلقت معظم المجمعات الرياضية (مثل مجمع نهاد نوفل والمنارة) أبوابها أو تحولت في بعض المناطق إلى مراكز إيواء للنازحين، والتراجع البدني حيث يواجه اللاعبون المقيمون في لبنان خطر فقدان “رتم” المباريات، مما يؤدي إلى زيادة احتمالية الإصابات عند العودة المفاجئة وتراجع في كفاءة الجهاز التنفسي والعضلي، بالإضافة إلى التأثير النفسي حيث القلق الدائم وعدم الاستقرار يُفقد اللاعب “الحافز التنافسي” ويصبح الهمّ الأمني متقدماً على أي طموح رياضي. كما تعاني الأندية من تداعيات اقتصادية وجفاف في منابع التمويل؛ فالمعلنون والرعاة تأثروا بسبب الركود الاقتصادي الناتج عن الحرب، مما أدى إلى عجز الأندية عن دفع الرواتب المتأخرة وخطر إفلاس بعض أندية الدرجة الأولى التي لا تملك استثمارات ثابتة.
ومع بزوغ أولى تباشير الحلول السياسية، أعلن اتحاد كرة السلة عن اتخاذ القرار الشجاع باستئناف اللعب بجميع فئاتها، في محاولة لإعادة نبض الحياة إلى الملاعب واستنهاض الهمم الرياضية من جديد. وفي الخلاصة، إن واقع كرة السلة اللبنانية في عام 2026 هو انعكاس لواقع الوطن؛ صمود أمام العواصف لكن بجسد منهك، وإن استعادة اللعبة لعافيتها لن تتطلب فقط وقف العمليات العسكرية، بل ستحتاج إلى “خطة طوارئ رياضية” لإعادة استقطاب المواهب المهاجرة وترميم البنية التحتية التي أصابها الشلل، وتبقى كرة السلة، رغم كل هذا السواد، هي النافذة التي ينتظر اللبنانيون أن يطل منها بصيص أمل ومنافسة تعيد لبيروت لقب “عاصمة السلة الآسيوية”.