بدا البيان المشترك الذي صدر عقب اللقاء المغلق في بغداد بين المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص لسوريا والعراق، توم برّاك، ورئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، أشبه بخريطة طريق وإملاءات أميركية صارمة. وتضع هذه الاشتراطات الحكومة العراقية أمام خيارين: إما الالتزام بنزع سلاح الفصائل ومنح امتيازات حصرية للشركات الأميركية، أو مواجهة عقوبات اقتصادية “ضخمة”.
وفي سابقة لافتة، نشر مكتب رئيس الوزراء العراقي مضامين البيان بشكل متطابق تماماً مع النسخة الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، متخلياً عن الصياغات المخففة التي كانت تعتمدها الحكومات السابقة عند التعاطي مع الشروط الأميركية.
نزع سلاح الفصائل: أولوية أميركية حاسمة
تضمن البيان بصياغة صريحة ومباشرة مطالبات بـ”النزع الكامل للسلاح، وحل جميع الجماعات والتشكيلات المسلحة العاملة خارج سلطة الدولة”. كما شدد على ضرورة “فرض السيادة الكاملة”، وضمان عدم استخدام الأراضي العراقية لتهديد السلم الإقليمي.
وتعكس هذه المطالب الرفض الأميركي لإجراءات “فك الارتباط” الشكلية التي أعلنت عنها بعض الفصائل، وتستهدف إنهاء سيطرتها الميدانية على مناطق حساسة مثل جرف الصخر، والعوجة، والعويسات. وأشار البيان إلى “الحاجة الملحّة” لاستكمال هذه الجهود، مما يضع بغداد أمام سقف زمني ضاغط لتنفيذها.
هيمنة اقتصادية أميركية وفك الارتباط بإيران
على الصعيد الاقتصادي، كشف البيان عن منح تراخيص ومشاريع ضخمة للشركات الأميركية، أبرزها:
- ستارلينك: استكمال منح رخصة تشغيل لتوفير خدمات الإنترنت، بعد أن أرجأتها وزيرة الاتصالات السابقة هيام الياسري خلال عامي 2023 و2024.
- قطاع النفط: بدء مفاوضات مع “شيفرون” لتطوير حقلي غرب القرنة-2 والناصرية، ودخول شركتي “إتش كيه إن” (HKN) و”ويسترن زاكروس” (Western Zagros) إلى قطاع الطاقة العراقي.
- ضربة للغاز الإيراني: تكليف شركة “إكسيليريت إنرجي” (Excelerate Energy) بإنشاء محطة عائمة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال في خور الزبير، مما يهدد عقود الغاز الإيراني التي تبلغ قيمتها 4 مليارات دولار سنوياً.
- خط كركوك – بانياس: توقيع مذكرة تفاهم مع “تي آي كابيتال” (TI Capital) لإعادة تأهيل خط الأنابيب المتوقف منذ الثمانينيات بين العراق وسوريا.
ووصف المبعوث الأميركي توم برّاك، عبر منصة “إكس”، هذه الخطوات بأنها “فصل ملحمي في استراتيجية الرئيس دونالد ترامب للشرق الأوسط”، في إشارة واضحة لمساعي فصل العراق عن النفوذ الإيراني.
كواليس بغداد: مخاوف من العقوبات ومهلة شهر
كشف مسؤول عراقي رفيع، غير مخول بالتصريح، أن بنود البيان المشترك هي “بمثابة خريطة طريق لتخطي عقوبات ضخمة قد تستهدف العراق”. وأوضح أن رئيس الوزراء سيطلع القوى الشيعية في “الإطار التنسيقي” على مخرجات الاجتماع، محذراً من أن الحكومة ستواجه أزمة حقيقية في ملف السلاح إن لم تحظَ بدعم هذه القوى والمرجع الديني علي السيستاني في النجف.
واعتبر المسؤول أن تحديد منتصف تموز/يوليو المقبل موعداً لزيارة الزيدي إلى البيت الأبيض، يمثل مهلة زمنية مدتها شهر واحد للحكومة لاتخاذ خطوات عملية ضد الفصائل قبل لقاء الرئيس ترامب. وفي هذا السياق، توقع النائب عن “الإطار التنسيقي” محمد الساعدي أن يسارع الزيدي لحسم حقيبتي الدفاع والداخلية قبل التوجه لواشنطن، معتبراً أن “فكرة تقديم تنازلات بلا نهاية مرفوضة”.
من جهته، أكد المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، أن الإدارة تمضي بمرونة في “معالجة ملف السلاح غير المنظم وحصره بيد الدولة ومؤسساتها”. وفي السياق عينه، أشار عضو اللجنة الاستشارية في “الإطار التنسيقي” علي السراي إلى تفويض التحالف لرئيس الوزراء باتخاذ الإجراءات التي تجنب العراق العقوبات والأزمات الخارجية.
جولة كردية وقراءة سياسية
إلى جانب مباحثاته في بغداد، زار الفريق الأميركي الذي ضم ممثلين عن وزارات الخزانة والخارجية والعدل، كلاً من أربيل والسليمانية. والتقى برّاك القيادات الكردية، وفي مقدمتهم رئيس حكومة الإقليم مسرور البارزاني، لبحث إنهاء تعثر تشكيل حكومة إقليم كردستان المستمر منذ عام.
وفي قراءة للمشهد، رأى رئيس مركز “التفكير السياسي” إحسان الشمري أن البيان يمثل إعلاناً أميركياً صريحاً لمشروع تفكيك الفصائل عسكرياً واقتصادياً، مشيراً إلى أن إدارة ترامب تسعى لإعادة العراق إلى المنظومة العربية وإنهاء نفوذ طهران فيه بعد الجمود الذي شاب العلاقات في عهد حكومة محمد شياع السوداني.
