المسائية- مناورة ترامب الكبرى

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ليست المسألة تفاوضاً ثم المزيد من التفاوض، بل إنها ترتبط بشخصية دونالد ترامب نفسه، الرجل الذي عاد إلى البيت الأبيض رئيساً بأغلبية كبيرة، ويستعد اليوم لخوض الانتخابات النصفية بثقة مرتفعة بعدما نجح مرشحوه بتحقيق نسبة فوز كاملة داخل الحزب الجمهوري، ما عزز موقعه الداخلي ورسخ سيطرته على القرار الحزبي والسياسي.
ترامب ليس رئيساً تقليدياً خرج من قلب المؤسسة الأميركية الكلاسيكية، بل يمثل نموذجاً مختلفاً لرئيس يمتلك هامشاً واسعاً من الحركة والمناورة. يستطيع تحريك أدوات اللعبة السياسية والعسكرية والاقتصادية من دون أن يتعرض سريعاً لاهتزاز في شعبيته، لأنه بنى علاقته مع جمهوره على أساس الصدام والمفاجأة وتحدي المؤسسات التقليدية.
في الملف الإيراني، يبدو أن ترامب يحاول استنساخ تجربة فنزويلا. يضغط ويفاوض في الوقت نفسه، يهدد ثم يفتح باب التسوية، يمنح المهل ثم يعود لتمديدها، ويرفع سقف الخطاب قبل أن يعود ويتحدث عن فرص الحل. إنها سياسة تقوم على الجمع بين العصا واليد الممدودة في خطاب واحد، ما يجعل خصومه وحلفاءه عاجزين عن توقع خطوته التالية.
المعلومات المتوافرة تشير إلى أن ترامب يمارس حالياً مناورة كبرى لا يشعر خلالها بأي مأزق حقيقي، لأنه يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته، وأنه قادر على تحمل مرحلة طويلة من الاستنزاف السياسي والاقتصادي والعسكري. الحصار البحري المفروض على إيران أدى إلى إنهاكها تدريجياً، فيما تعتمد الولايات المتحدة على بدائل نفطية متعددة، من بينها النفط الفنزويلي والروسي، ما يمنحه هامشاً أوسع للمواجهة.
وفي المقابل، بدا واضحاً انزعاج ترامب من الموقف السعودي الرافض حتى الآن للدخول في مسار التطبيع الكامل، لذلك بدأ بإرسال رسائل متعددة الاتجاهات، في محاولة للضغط وإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية. وهو يعتبر أن من يريد الاستفادة من نتائج تحجيم إيران عليه أن يدفع أثماناً سياسية واضحة، أما الذين اكتفوا بمراقبة المواجهة فلن يحصلوا على مكاسب مجانية.
آخر مظاهر هذه المناورة أن ترامب طلب بضعة أيام إضافية للتفكير بصيغة التسوية المحتملة. لكن الواضح أن الرجل لا يتصرف برد فعل مرتبك، بل يمارس ما يشبه هواية الخداع الاستراتيجي. وربما تكون أفضل هدية تقدم له هي وصفه بالجنون، لأن هذا الوصف تحديداً يحجب عن خصومه القدرة على فهم مهاراته الحقيقية في المناورة وإدارة الصراع.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram