كتب هشام دبسي:
وأنت تعدّ فطورك، فكّر بغيرك
لا تنسَ قوت الحمام
وأنت تخوض حروبك، فكّر بغيرك
لا تنسَ من يطلبون السلام
وأنت تعود إلى بيتك، فكّر بغيرك
لا تنسَ شعب الخيام
هذا ما قاله الشاعر محمود درويش في نهاية القرن الماضي. بعد عودته إلى وطنه، بموجب إتفاق المبادئ الأوليّة للحكم الذاتي المحدود، في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1967، بفعل حرب الأيام السّتّة، كما تسمّيها إسرائيل، وحرب “النّكسة” كما سمّاها العرب.
لعلّ الشاعر الذي لم يُعلن موافقته على “اتفاق أوسلو” المبرم عام 1993، كما لم يُعلن معارضته أيضًا، قد اكتفى بالاستقالة من عضويّته الرفيعة في اللّجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير، بما تمثّله كأعلى سلطة سياسيّة معترف بها، وربّما أراد أن يختبر أمره بأسلوبه الشاعري في الميدان الذي غاب عنه طويلًا.
لكن الشاعر سرعان ما أفصح عن دهشته وإعجابه لِما رآه من احتفالات شعبيّة مستمرّة عبّر عنها أهل غزّة والضفّة الغربيّة أثناء استقبال العائدين، وفي تبجيل صانع الاتفاق ومهندسه الرمز ياسر عرفات، وكذلك الفرح العارم بما أحدثه هذا الاتفاق من تغيير شامل وعميق في حياة الناس اليوميّة، وإحساسهم بأنّ الحريّة آتية، وأنّ السلام قريب، خاصّةً عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من المدن الكبرى أوّلًا، وزالت قبضة الاحتلال المباشرة عن خمسة ملايين من الفلسطينيّين بعد أكثر من ربع قرن.
لكن المشهد الحاسم كان في تأييد الغالبيّة الساحقة من الشعب، وتصويتهم لصالح الرئيس عرفات في أوّل انتخابات شهدتها أرض فلسطين وشعبها عام 1996. وبالعودة لشاعرنا المرهف، وقد صار أحد أركان المرحلة الجديدة الذي يحظى بإجماع نخبوي وشعبي لم يحظَ به الرئيس ياسر عرفات نفسه، يمكن المغامرة بالقول بأنّ حدسه العميق تجاه مسيرة السلام الفلسطينيّة-الإسرائيليّة، بما واجهته من مشكلات مستعصية، جعلها هشّة وضعيفة وتحتاج أن لا ننسى جميعًا إمكانيّة انهيارها بعدما شهر التطرّف الإسرائيلي مسدّسه وقتل إسحاق رابين في لحظة مجده، وهو المتوّج بصفته “الملك”. كما أسقطت قوى التطرّف بالانتخابات السياسيّة المخضرم شمعون بيريز.
في الوقت نفسه شحذ التطرّف الفلسطيني خناجره، وأطلق طاقته الانتحاريّة لتفجير “اتفاق الخيانة” كما يسمّيه أطراف محور “المقاومة والممانعة”.
وها هم اليوم يحتفلون “بانتصارهم” على مسيرة السلام من غير اكتراث بما جرى لشعب الخيام في غزّة ولأهل الضفّة ومدينة القدس الشرقيّة.
لقد صدق حَدْس الشاعر حين طالب الجميع بأن يفكّروا بغيرهم. لكنّ المتطرّفين في الاتّجاهين لا يعنيهم هذا الأمر.
الإرهاب
مهما كانت مقاصد التفكير بالآخر، سواء الأخ أو الصديق أو الخصم أو العدو، وأيًّا تكن مقاصد التعايش أو التسوية أو المصالحة المنشودة أو العيش معًا، لا بدّ لصانع السلام من معالجة التطرُّف في بيئته أوّلًا، حتى يستطيع التعامل مع البيئة الأخرى.
وفي هذا السياق، أدعو للتخلّي عن مصطلح “الإرهاب”، بعد أن حمل دلالات أبعد من تعريفه التّقني واللغوي، وبات مصطلحًا سياسيًّا يتراشقه الإرهابيّون أنفسهم، وتُهمة جاهزة للدول والسياسيّين تُلصق أحيانًا بأكثر خصومهم وأعدائهم اتزانًا واعتدالًا، ومثالنا على هذا الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس!!
لذا أرى أن “الاستعلاء القومي” عند الدول الكبيرة، و”التعصّب الدّيني” و”التطرّف السّياسي”، مصطلحات أكثر موضوعيّة في دلالتها وتوصيفها لِما تتعرّض له البشريّة من مصطلح “الإرهاب”.
وعطفًا على ما جاء في الفقرة الأولى، يمكن القول أنّ بُعدها الأخلاقي يطرح تحدّيات من طرازٍ مختلف، تنتمي إلى صلب النظريّات السّياسيّة المعاصرة والمعبّرة عن النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الثانية، حيث شهدنا صعودًا استثنائيًّا في مجالات العلوم والتكنولوجيا، والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وإنتاجًا لأرقى القوانين في أكثر من موضوع.
لكنّنا شهدنا أيضًا المجازر والمذابح من حرب فييتنام إلى حرب الإبادة في قطاع غزّة حسب تعريف محكمة العدل الدوليّة.
كما شهدنا أيضًا أعمال التطهير العرقي من البلقان وميانمار حتى ناغورني كاراباخ، فضلًا عن التهجير القسري من سوريا والسودان وغيرها من البلدان. وإذ نخصّ بالذكر الحرب على أفغانستان والعراق والصومال، فذلك لأنّها حروب شُنّت لاجتثاث الإرهاب والقضاء على الإرهابيّين ليس إلّا!
أمّا النتيجة فكانت التسوية مع الإرهابيّين، بينما الإنجاز الوحيد كان تدمير الدول والأوطان والشعوب.
أمّا وأنّ حرب الإبادة على أهل غزّة توقّفت بقرار من سيّد البيت الأبيض، بينما لم يتوقّف إطلاق النار لحظة واحدة حتى الآن، ولم تتراجع العمليّات الهادفة لتهجير ملايين الفلسطينيّين خارج أرضهم، فإنّ هذا الواقع يستدعي معالجة جديدة يمكن تلخيصها على النحو التالي:
١. أنّ جغرافيا فلسطين التاريخيّة وشعبها هي مثال تطبيقي حيّ ومستمرّ حتى اللحظة، يكشف عجز القانون الدولي والمواثيق ذات الصّلة عن تأمين أبسط حقوق الحياة من الماء والغذاء والدواء، فضلًا عن تأمين مجرّد خيمة… خيمة ليس شيئًا آخر!! من يصدّق أنّ هذا يحدث في زمن الحضارة والقيم الإنسانيّة؟!!
٢. إنّ ما يجري من إبادة بطيئة من دون نيرانٍ ثقيلة، هو في الواقع اختبار شامل لصدقيّة المفاهيم التي صدّرتها الحكومات الغربيّة بقدرٍ من التعالي علينا وقدرٍ من الاستخفاف بنا.
٣. إنّ وظيفة قرار وقف الحرب الصّادر عن سيّد البيت الأبيض هي حماية للنّظام السياسي الدولي وآليّات عمله وفق المنظور الأميركي، ومنع تآكل مكانة دولة إسرائيل وفق تصريح ترامب نفسه، ومن أجل حماية حكومة إسرائيل فقد أنعم على الفلسطينيّين بوقف حرب الإبادة والسّماح باستمرار حرب الاستنزاف.
هكذا إذًا سمحت الحداثة بأبهى صورها عبر الذكاء الاصطناعي، وبواسطته أيضًا في إنتاج الإبادة، وما زالت مفاعيلها مستمرّة، حيث لم تتراجع حكومة إسرائيل عن أهدافها المعلنة في التطهير العرقي وضمّ الأراضي والسحق السياسي للبنية الكيانيّة الفلسطينيّة والبنية المجتمعيّة التاريخيّة.
كلّ هذا يصدر عن دولة حديثة ترعاها أكبر ديمقراطيّة علمانيّة في الكوكب، ومع ذلك وببساطة شديدة يمكن التخلّي عن الحداثة والعودة إلى الأسطورة التوراتيّة للبرهنة على أنّ مقاصد ما يدور هو تحقيق “الوعد الإلهي” كما صرّح السفير الأميركي في إسرائيل، لكنّه لم يُخبرنا إذا كان هذا الوعد التوراتي مكتوبًا قبل الانفجار الكبير أم بعده؟ أم في لحظة حدوثه؟!!
هجوم 7 أكتوبر
سبّب هجوم 7 أكتوبر الانتحاري، حالة هستيريا جماعية في دولة إسرائيل. من قمّة الهرم السياسي مرورًا بالجيش وصولًا إلى المستوطنين، فالعقل الإسرائيلي لم يستوعب هذا السقوط المفاجئ للموانع العسكريّة والأمنيّة المعتمدة على حدود قطاع غزة، وعلى وجه الخصوص، فشل الحاجز الإلكتروني العالي التقنية، في إطلاق الإنذار المُبكِر!!
ومن المعروف جيّدًا أنّ هذا الحدث المفصلي أدّى إلى تغيير عميق ونوعي في طبيعة العلاقات الإسرائيليّة-الفلسطينيّة على المستويات كافّة.
لم يبقَ شيئٌ على حاله، حيث انفجر الغضب والكراهية والسعي المباشر إلى تدمير الآخر، هكذا صارت المعادلة بين الطرفين وهذا ما شهدناه مصوّرًا وموثّقًا على شاشات العالم أجمع.
على الجانب الفلسطيني قلة من النخب استنكرت الهجوم الحمساوي، لأن غالبية الناس رأت فيه فعلًا انتقاميًا، طبيعيًا في مواجهة بطش وتنكيل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
كما رآه البعض أنه مواجهة بين التطرُّف الديني اليهودي الذي تمارسه حكومة إسرائيل والتطرُّف الديني الإسلامي الذي تمارسه حركة حماس.
في هذا الجدل، أرى من المفيد الإضاءة على زيارة وزير الخارجيّة الأميركي أنتوني بلنكن في زمن إدارة الرئيس جو بايدن لرام الله ولقاءه مع الرئيس محمود عباس حيث سارع لمطالبته بإدانة واستنكار الهجوم وتصنيفه بالإرهاب…
إلّا أنّ الرئيس عباس قال بلهجة حادّة وصوتٍ عالٍ، أنتم من صنع حركة حماس وأنتم من جاء بها إلى السلطة في قطاع غزة…. وعليكم تقع المسؤوليّة ولا تطلب مني شيئًا.
بعد تلك الواقعة بدأ الإعلام الأميركي والإسرائيلي يتحدث عن فساد السلطة وعن ضرورة التغيير، وعن شيخوخة وعجز الإدارة الفلسطينيّة… وصولًا إلى إسقاط شرعيّتها السياسيّة من دون التوقف أمام حقيقة تكشف أنّ صناعة السلام بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، توقّفت منذ تسنُّم فريق نتنياهو السلطة في إسرائيل على أنقاض حكومة رابين-بيريز في نهاية القرن الماضي.
ولأنّ الإدارات الأميركيّة بعد هجوم 11 سبتمبر على بُرجَي التجارة العالمي لم تنجح إلّا في توسيع استخدام العنف الذي يلغي العدالة ويكرّس الهيمنة بالقوّة، على أن يسمّى هذا “عملية السلام”، واليوم نحصد نتائج سياسات المساكنة والاستخدام للإسلام السياسي بشقّيه السُّنّي والشّيعي معًا، بما نشهده من انفلات للعنف مجدّدًا تحت عناوين جديدة-قديمة تُفيد بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الكبير.
ولا ندري متى تحُطّ الحرب رِحالها بعد تصفية النخبة الحاكمة في إيران، لأنّ الأمر لا يتعلّق بمن يحكم إيران بل بمن يدير دفّة العالم في البيت الأبيض.