حين يغيب الضمير خلف الستائر السميكة لغرف العمليات المحصنة، وحين تُقاس كرامة الإنسان بطول الصاروخ وعرضه، يصبح السؤال الذي يمزق حناجر اللبنانيين مشروعاً وواجبًا: هل قيادة حزب الله متمتّعة؟ هل يطيب لقلوبهم ولأعينهم مشهد الذل الذي يضرب أطنابه في كل زاوية من زوايا هذا الوطن المكلوم؟ أتفرح قيادة حزب الله برؤية شعبها ذليلاً نائماً على جوانب الطرقات في البرد؟ إنها الفاجعة التي لا تغسلها التبريرات، والمهانة التي لا تسترها الخطابات.
عائلات تفترش الإسفلت، وأطفال يرتجفون من الصقيع، وكرامة تُداس تحت عجلات النزوح وعلى فرشات المدارس، وكل ذلك في سبيل دماء وأجندات لا تشبه لبنان ولا ترتبط بوجع أهله.
إن القسوة التي نراها اليوم في إدارة المصائر تعكس قلة ضمير لم يشهدها تاريخ الوطن، وتدفعنا للتساؤل بمرارة: أتفرح قيادة حزب الله بإهراق دم شبابها وشيبها؟ هل أصبح الدم اللبناني رخيصاً إلى هذا الحد في سوق المقايضات الإقليمية؟ إن القيادة التي تسترخص أرواح أبنائها، وتسوقهم إلى حتوفهم في معارك عبثية، هي قيادة فقدت صلتها بالإنسانية وبمعنى المسؤولية.
من يدخل للمرة الثالثة بحرب عبثية معروفة نتائجها؟ أي عقل سياسي هذا الذي يكرر تجارب الفشل والدمار، ويقامر بمصير وطن يترنح أصلاً على حافة الانهيار؟ إنه الإمعان في الانتحار الجماعي، والإصرار على جرّ البلاد إلى أتون نار لا تبقي ولا تذر، في وقت كان فيه من الواجب الوطني الالتزام بالقرارات الحكومية والسيادية، عوضاً عن التفرد بقرار السلم والحرب وضرب هيبة الدولة بعرض الحائط.
ولعلّ الذروة في هذا الاسترخاص للأرواح، وفي قلة الضمير المستشرية، هي تلك السياسة الممنهجة التي تجعل من بيوت الآمنين وأحيائهم المكتظة خنادق مستترة وغرف عمليات صامتة. فكيف يمكن لمن يدعي حماية الناس أن يتخذ من أجساد أطفالهم ونسائهم دروعاً بشرية؟ إن زجّ الكوادر والمسؤولين العسكريين في قلب التجمعات السكنية ليس تكتيكاً عسكرياً، بل هو خطيئة أخلاقية كبرى تُحوّل كل منزل إلى هدف، وكل طفل إلى مشروع “شهيد” قسري. إنها القسوة في أبهى تجلياتها.
أن يُجبر المدني على دفع ثمن صراعات لا قرار له فيها، وأن يُستخدم سقف بيته غطاءً لصواريخ أو مخبأً لمسؤول، مما يجعل من النزوح خياراً بين الموت تحت الأنقاض أو الذل في الشوارع. أيّ نصر هذا الذي يُبنى على أشلاء جيران أُخذوا على حين غرة، وأيّ بطولة تدّعيها قيادة تتلطى خلف جدران يسكنها الضعفاء؟
لقد آن الأوان لإنهاء هذا العبث، والمطالبة بالتنفيذ الفوري والحازم لكل القرارات الحكومية والدولية التي تحفظ سيادة لبنان وتلجم سلاحاً لم يجرّ على البلاد إلا الويلات. إن التباطؤ في تنفيذ القرارات التي تعيد للجيش اللبناني وحده سلطة الأرض والسماء هو مشاركة في الجريمة. وما يزيد الطين بلة هو ذاك الاستهتار الصارخ بالأمن القومي.
أن تُشعل فتيل الانفجار بـ٦ صواريخ ليلاً أثناء نوم الناس، صواريخ لا تغير في موازين القوى بقدر ما تستدرج آلة القتل لتهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها. إنها “خفة” في اتخاذ قرارات الموت، ونرجسية عسكرية تقتات على أوجاع الناس.
لقد سقطت الأقنعة، ولم يعد من الممكن السكوت، فالوطنية ليست في استجداء الحروب، بل في الخضوع لسلطة القانون والدولة وحماية الناس من أهواء المغامرين الذين لا يرون في الشعب إلا مجرد وقود لآلة الحرب.
اسعد نمور