الحجة الجاهزة عند “ح ز ب الله” لدى سؤاله عن أسباب جره البلاد، مرة ومرتين وثلاث وأربع لحروب كان يمكن تفاديها، هو ان اسرائيل كانت تخطط سلفاً للحرب، وان اعطاءها السبب هو تحصيل حاصل. لكن اين ترك الحزب لذاكرتنا في ربع القرن الماضي أي دليل يثبت نظريته هذه؟ في عام ٢٠٠٠ انسحبت اسرائيل من جنوب لبنان، فلم تمض ست سنوات، حتى أقدم الحزب، والحدود هادئة، والناس في بيوتها الآمنة، على تنفيذ عملية خطف جنود اسرائيليين وحجته تحرير ما تبقى من أسرى لبنانيين في السجون الاسرائيلية، وتحديدا سمير القنطار. الحزب هنا هو من أعطى الذريعة لاسرائيل لشن حرب مدمرة لثلاثة وثلاثين يوماً، خرج فيها هو منتصراً فوق ركام الناس، مع اكثر من الف وخمسمئة قتيل لبناني، لتحرير القنطار ومعه اربعة عناصر في الحزب أسرتهم اسرائيل خلال الحرب نفسها. هل هذا تخطيط؟ هل هذا منطق؟ حين سئل نصرالله لاحقاً عن هذه الحرب، اجاب: “لو كنت أعلم”.
بعدها بقي الجنوب في وضع مستقر من العام ٢٠٠٦ حتى ٨ اكتوبر ٢٠٢٣، لم يحدث الا بعض المناوشات التي لا تذكر على الحدود، والتي تدل على انضباط الطرفين، ولم تقم اسرائيل خلال هذه الأعوام الثمانية عشر بأي اجتياح او حرب مدمرة. بالعكس عاش جنوبيون عند شريطها الحدودي، وكان يفاخر الحزب ان ذلك بسبب توازن الردع الذي ارساه مع اسرائيل. من كسر هذا الاستقرار في الجنوب في الثامن من اكتوبر ٢٠٢٣؟ نعم الحزب مجدداً، قرر منفرداً ان يفتح الجبهة مع اسرائيل التي بقيت لاكثر من عام تلاعبه عند الحدود حتى انقضت عليه وفعلت ما فعلت به. ماذا يقول الحزب وجمهوره المبنّج في ذلك؟ “اسرائيل وضعت خططا لضربنا، ولا تحتاج إلى حجة”. حقاً؟ وانتم تفاجأتم ان عدوكم الأوحد الذي تخططون وتعدون العدة له، يخطط ويعد العدة؟ وطبعا تبين ان اسرائيل تخطط والحزب ملهي في زواريب الطائفية والفساد والزراعة على البلاكين وانتاج النخب الكوثرانية المميزة.
ينعديبها منلا مقاومة!
كيف جرى التوصل لوقف اطلاق نار؟
قبِلَ الحزب بسحب سلاحه كاملاً وتطبيق القرار ١٧٠١ ويعرف تماماً ماذا يعني هذا القرار. ثم انتخب رئيساً خطاب قسمه كان يتضمن سحب سلاح الحزب كاملاً، ثم انضم لحكومة واعطاها الثقة ومشروعها سحب سلاح الحزب كاملاً. ولم يلتزم وحاول المماطلة والتحذلق والتذاكي، ثم راح يقول علناً: لن نسلم سلاحنا، ويبلطوا البحر، ويتنمرد على الدولة بما تبقى لديه من فائض القوة الفارغة، فيما كانت اسرائيل تكمل اصطياد عناصره وضرب مخازنه. واسرائيل طبعا تخطط وطبعاً تريد رأس الحزب وتريده بلا سلاح. هذا بديهي. ما كانت خطط الحزب لمواجهتها؟ فيديوات لعلي برو يهاجم نواف سلام.
ثم أطلق عباقرة الحزب -الذي يفترض انه قبل باعطاء قرار الحرب والسلم للدولة- الصواريخ الستة الهزيلة، وأعطى اسرائيل ذريعة مجدداً لتنفيذ خطة يبدو انها تتضمن اجتياحاً كبيراً هذه المرة، وهدفها المعلن هو تطبيق الاتفاق بالقوة، طالما ان الحزب ماطل ولا يريد تطبيقه بعد التوقيع عليه.
هل الخطة الاسرائيلية اليوم معدة سلفاً. نعم.
الخطط موجودة دائماً. تركيا لديها خطط توسعية في الشرق الاوسط. سوريا ربما تخطط لعودة نفوذها الى لبنان. صدام حسين كانت لديه خططه للكويت ولايران وغيرها. السعودية لديها خطط في اليمن. الامارات لديها خطط في السودان. ايران تبين ان لديها خطط لجماعاتها في العراق واليمن ولبنان، وخطط للتعامل مع دول الخليج. روسيا لديها خطط في اوكرانيا. هل كل الخطط يمكن تنفيذها؟ لا، هناك خطط تموت في الأدراج، لان الظروف لا تتهيأ لها، ولأن الخصم لا يعطي ذريعة لها، ولان هناك خطة مقابلة لها تبطلها. هل كانت لاسرائيل خطط في احتلال سيناء؟ طبعاً. كيف خرجت اسرائيل من سيناء؟
حجة ان هناك خطة مسبقة، والقول بحتمية تنفيذها، هو مثل القول بأن الحياة آخرها موت حتمي مؤجل، فلماذا لا انتحر؟ هذا اسمه عبث. تخايل مثلاً ان يقوم الاتحاد السوفياتي باطلاق صواريخ باليستية على اميركا في الستينات، لانه يعتقد ان اميركا تريد تدميره ولديها خطط لاسقاطه والعكس. التاريخ مليء بالامثلة لدحض الهراء الذي يكرره الحزب منذ عقدين لتبرير كل حماقاته العسكرية، من حرب تموز، الى اجتياح بيروت في ٢٠٠٨ الى الدخول الى سوريا، وصولا الى اسناد غزة، واليوم اسناد إيران.
هذا الحزب تبين بوضوح انه لا يخطط. ويتصرف فقط بما يمليه عليه دوره الاقليمي كذراع للحرس الثوري الايراني. ثم عندما يفشل في هزيمة اعدائه، يلقي باللوم عليهم، لأنهم يخططون للنيل منه.