في مقال للعميد العميد داني سيترونيفيتش الرئيس السابق لساحة إيران في الاستخبارات العسكرية كتب الآاتي :
على خلاف الخطاب السائد في إسرائيل، لم تفقد طهران السيطرة. القيادة الإيرانية تعمل وفق منطق استراتيجي بارد ومحسوب هدفه واحد: ليس الانتصار — بل عدم الخسارة، وفرض ثمن باهظ على كل من يشارك في المواجهة.
في إسرائيل من المريح تصوير سلوك إيران على أنه اندفاع عاطفي لنظامٍ واقعٍ تحت ضغط. غير أن الصورة في الواقع أكثر تعقيدًا بكثير. منذ بداية المعركة تعمل طهران وفق تصور بُني منذ زمن طويل: إدارة صراعٍ طويل الأمد يقوم على منطق الاستنزاف، وجباية الثمن، وممارسة ضغطٍ تراكمي — إلى أن يفضّل الطرف الآخر إنهاء القتال.
الإيرانيون يدركون جيدًا فجوات القوة. ليست لديهم القدرة على حسم المواجهة عسكريًا ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل. لكن بالنسبة لهم، فإن الاستسلام ليس خيارًا أيضًا. لذلك يتبنون مفهوم “الانتصار عبر عدم الخسارة” — أي بقاء النظام، والحفاظ على التماسك الداخلي، وجعل المعركة مكلفة ومرهقة ومعقدة قدر الإمكان لخصومهم.
هنا تدخل إلى الصورة استراتيجية الاستنزاف. إيران تستخدم إطلاقًا مدروسًا ومركبًا من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة — ليس بهدف إسقاط إسرائيل أو هزيمة الولايات المتحدة، بل من أجل خلق تآكلٍ مستمر.
إنها “اقتصاد تسليحي محسوب”: استخدام مضبوط للوسائل، والحفاظ على المخزون على المدى الطويل، وتجنب التصعيد غير المنضبط. الهدف ليس صورة نصر فوري — بل ضغط سياسي متراكم.
طهران تراهن على الزمن. الفرضية الإيرانية هي أن كل يوم يمر يزيد من الإرهاق الاستراتيجي — خصوصًا في الولايات المتحدة. وكلما طالت المعركة، ازداد احتمال نشوء ضغط سياسي داخلي في واشنطن لإنهائها، حتى من دون تحقيق إنجازات سياسية بعيدة المدى.
بالتوازي، تتحرك إيران في الساحة الاقتصادية–الاستراتيجية. التهديد بإغلاق مضيق هرمز ورفع أسعار النفط والغاز ليس خطوة تكتيكية، بل أداة ضغط عالمية. رفع الكلفة الاقتصادية على العالم بأسره يفترض أن يدفع المجتمع الدولي إلى التدخل والضغط من أجل وقف إطلاق النار.
كما أن شبكة الوكلاء — في لبنان، والعراق، والحوثيين في اليمن — تندمج في هذا التصور ذاته. تشغيل بؤر احتكاك متعددة يسمح بتوزيع المخاطر، وخلق عبء عملياتي على الخصوم، وتوسيع حدود المعركة. كل ذلك من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة وشاملة في جميع الساحات في الوقت نفسه. وإذا استدعت الحاجة تصعيدًا إضافيًا — فإن ضرب منشآت الطاقة الإقليمية يبقى ورقة محفوظة في الدرج.
على الرغم من الهزات في قمة القيادة، وحتى بعد اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، فإن النظام يُظهر حتى الآن درجة من الاستقرار النسبي. آليات الاستمرارية بُنيت تحديدًا لمثل هذه السيناريوهات.
في نظر القيادة الإيرانية، فإن مجرد بقاء النظام واستمرار عمله يُعد إنجازًا استراتيجيًا.
أمام هذا الواقع تقف واشنطن أمام معضلة معقدة: هل تنهي المعركة مقابل إنجازات محدودة، أم توسّعها إلى حد محاولة إسقاط النظام — وهي خطوة قد تُطيل الصراع وتعمّقه بشكل كبير.
من يريد فهم إيران عليه أن يضع جانبًا رواية «الجنون». طهران لا تعمل بدافع فقدان السيطرة، بل وفق تصور منظم لإدارة المخاطر والوقت والكلفة. هذه ليست استراتيجية حسم — بل استراتيجية استنزاف.
وأحيانًا، في الشرق الأوسط، فإن استنزاف الخصم الذي لا يمكن هزيمته — هو بحد ذاته انتصار.