تفتح التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة في جنوب لبنان الباب أمام قراءة عميقة لحجم المأزق الذي يعيشه ما يُسمى بـ”محور المقاومة”. بين أنفاق “علي الطاهر” وتفجيرات “مجدل زون”، تبدو الأرض وكأنها تنشق لتكشف حقيقة “دولة الظل” التي عطّلت السيادة الفوقية وحوّلت قرى الجنوب إلى صناديق بريد لمشاريع إقليمية، تدفع أثمانها الباهظة من دماء اللبنانيين وأرزاقهم.
في قراءة نقدية حادة للمشهد، يفند المعتقل السابق والمناضل في صفوف “المقاومة الوطنية” التاريخية، أحمد إسماعيل، أبعاد الخطاب الأخير للشيخ نعيم قاسم، معتبراً أن تلويحه بعبارة “العدس بترابه بيجي وقت حسابه” ليس إلا سهاماً موجهة نحو الداخل اللبناني، ودليلاً صارخاً على الهروب من العجز الميداني أمام الاحتلال الإسرائيلي.
تصويب السهام نحو الداخل.. ترهيب بديل عن الإنجاز
يرى إسماعيل أن خطاب قيادة حزب الله الحالية يعكس انفصالاً تاماً عن الواقع الوطني، حيث باتت الأولوية هي توجيه الرسائل التهديدية للحكومة اللبنانية، وللأركان السياسية، وللشعب اللبناني الذي يرفض بغالبيته العظمى (التي تقارب الـ 70% إلى 80%) منطق “حرب الإسناد” وتجيير القرار السيادي لصالح طهران.
وقال اسماعيل انّ “نعيم قاسم أثبت أنه مجرد أداة إيرانية على الأرض. عندما عجز عن قتال إسرائيل وحماية الجنوب، اختار الطريق الأسهل: التهويل بحرب أهلية وترهيب البيئة اللبنانية المعارضة لمشاريعه.”
ورغم خطورة هذا التهويل، يؤكد إسماعيل أن الحزب أضعف من أن ينفذ تهديداته بحرب أهلية؛ نظراً للتكلفة السياسية والاجتماعية العالية، ولأن حاضنته الشعبية نفسها باتت مستنزفة ومشتتة في مناطق النزوح.
الجيش اللبناني.. الرد الحاسم باليد الحديدية
أمام محاولات الحزب الأخيرة لفرض واقع ميداني جديد في الشارع أو الاستقواء على الدولة، برز دور الجيش اللبناني كصمام أمان حقيقي. ويستذكر إسماعيل أحداث “7 أيار” الشهيرة، مقارناً إياها بالتعاطي الحازم للجيش مؤخراً على طريق المطار.
إن القرار الواضح للمؤسسة العسكرية بضرب أي محاولة لإثارة الفتنة بيد من حديد أرسل رسالة حاسمة للدويلة: السلم الأهلي خط أحمر لا يمكن تجاوزه. لو كان هذا الحزم موجوداً في المحطات التاريخية السابقة، لما وصلت الهيمنة على الدولة اللبنانية إلى هذا المستوى الكارثي.
الحرس الثوري الإيراني يقود المعركة ميدانياً
في تفاصيل الميدان، يفجر إسماعيل حقائق حول طبيعة القيادة العسكرية في الجنوب، مؤكداً أن القرار لم يعد قراراً لبنانياً أو حتى محلياً لدى حزب الله:
إطلاق الصواريخ: قرارات القصف الصاروخي الإستراتيجي تدار مباشرة من غرف عمليات الحرس الثوري الإيراني.
أنفاق علي الطاهر وجبل عماد 4: تشير المعلومات إلى وجود مراكز قيادية معقدة تحت المرتفعات، يعتقد أن هناك عشرات العناصر والضباط الخبراء الإيرانيين العالقين فيها، مما دفع طهران للضغط إقليمياً ودبلوماسياً لترتيب وقف إطلاق نار سريع خشية انكشاف حجم التورط البشري المباشر.
الخرق الأمني الصادم: أثبتت عمليات الاغتيال المتتالية (وصولاً إلى رأس الهرم) أن الاستخبارات الإسرائيلية مخترقة لجسد الحزب البشري والتكنولوجي بشكل يعجز الحزب نفسه عن إحصائه أو مراجعته، مما جعل “الميدان” مكشوفاً بالكامل.
اتفاق واشنطن وأكذوبة “الـ 7 دقائق”
يكشف المشهد السياسي تناقضاً بنيوياً في مواقف الحزب؛ ففي حين يخرج الشيخ نعيم قاسم ليعترف علناً”بأن من يظن أننا قادرون على هزيمة إسرائيل عسكرياً فهو مخطئ”، يستميت الحزب في مهاجمة “اتفاق واشنطن” والمساعي الدبلوماسية التي تقودها الحكومة ورئاسة الجمهورية لوقف شلال الدم.
هذا الرفض ليس نابعاً من الحرص على السيادة، بل لأن الاتفاق صُنع بقرار لبناني رسمي وليس بإملاء إيراني. فالحزب يفضل تسليم أوراقه بالكامل للمفاوض الإيراني بانتظار تفاهمات تضمن مصالح طهران، حتى لو كان الثمن تدمير 70 قرية جنوبية بالكامل.
علاوة على ذلك، فإن أحداث غزة وما جرى مع يحيى السنوار أسقطت نهائياً السرديات الواهية لمحور الممانعة حول *”تدمير إسرائيل في سبع دقائق ونصف والوصول إلى الجليل”*. تبين أن السنوار ورّط قطاع غزة وتُرك وحيداً، وتكرر السناريو ذاته بتوريط جنوب لبنان في حرب عبثية دمرت بنيته التحتية والاجتماعية.
فاتورة الإعمار والعباءة الإيرانية
في ختام التحليل، يقسم إسماعيل البيئة الجنوبية الحاضنة تاريخياً إلى ثلاثة أقسام تفصل بين الولاء العضوي المستفيد مادياً، والكتلة المستقلة الرافضة، والكتلة الصامتة المكلومة التي تتألم بصمت تحت وطأة النزوح وفقدان المنازل.
ولا يبدو طريق المستقبل سهلاً؛ فإعادة إعمار ما دمرته الحرب يتطلب عمقاً عربياً ودولياً. ويشدد إسماعيل على أن الأشقاء العرب لن يأتوا ليدفعوا الفواتير المليارية لإعادة الإعمار طالما بقي القرار اللبناني مرتهناً لـ”العباءة الإيرانية” وشعارات شكراً لإيران على طريق المطار.
إن التغيير القادم قد يستغرق بعض الوقت بسبب حجم النكبة غير المسبوقة في تاريخ لبنان الحديث، لكن لجوء الناس إلى العقل والتمسك بالدولة وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني هو الممر الإلزامي الوحيد لمنع النكبة الثانية.
لمتابعة تفاصيل الحوار كاملاً ومشاهدة الحلقة:
