يونيو 30, 2026
الرئيسية

خاص-عبود لـ”arabfiles”: الصحافة اختارتني

خاص-عبود لـ"arabfiles": الصحافة اختارتني

شهدت منصة arabfiles حلقة جديدة ومميزة من برنامج “بتتذكر”، حيث استضاف الإعلامي أسعد بشارة زميله الإعلامي اللامع وليد عبود، مدير الأخبار والبرامج السياسية في قناة الـ “إم تي في”. وجاءت المقابلة لتكشف جوانب شخصية وإنسانية وتاريخية فريدة من حياة عبود، بعيداً عن الصرامة والجدية التي تفرضها الشاشة والبرامج السياسية المعتادة، ملقية الضوء على طفولته ونشأته في ظل قامات فكرية وقضائية تركت أثراً بالغاً في تكوين شخصيته ومسيرته المهنية.

واستهل عبود حديثه بالعودة إلى جذوره العائلية والبيئية، مستذكراً طفولته التي توزعت بين مدينة جونية شتاءً وبلدة “عين كفاع” الجبيلية صيفاً، وهي البلدة التي ارتبط اسمها بالقامة الأدبية والفكرية الكبيرة لجدّه الأديب الراحل مارون عبود. ولد وليد عبود في نيسان عام واحد وستين وتسعمائة وألف، وتوفي جده في حزيران من العام التالي، مما حرمه من امتلاك ذكريات واعية معه، باستثناء صورة فوتوغرافية يتيمة تجمع بينهما في أواخر أيام الجد. غير أن عبود أكد أنه نشأ وترعرع تحت تلك المظلة الفكرية الكبيرة، حيث كان وعيه يتشرب الثقافة يومياً من مكتبة المنزل الضخمة التي كانت تضم ما يزيد على عشرة آلاف كتاب، فضلاً عن المنحوتات واللوحات الفنية التي ملأت أرجاء البيت.

وتحدث الإعلامي وليد عبود عن التناقض الجميل والكامل في إدارة المنزل بين والديه، حيث كان والده قاضياً عسكرياً صارماً يمثل النظام والانضباط اللذين لا يعرفان الاستئناف أو التمييز، وكان نادراً ما يُظهر رضاه أو عاطفته تجاه أبنائه دفعاً لهم نحو تقديم الأفضل دائماً وعدم الاتكال على النجاحات العابرة، بينما كانت والدته، المتأصلة من منطقة صربا في جونية، تمثل الجانب العاطفي والملجأ الدافئ الذي يحتمي به الأبناء ويتوسط لديهم عند الوالد عند الوقوع في الخطأ، معتبراً أن هذا النموذج الأسري المتوازن هو الذي أسهم في صقل شخصيته وشخصية شقيقيه، رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق القاضي سهيل عبود، والمحامي زياد عبود.

وفي سياق المحطات التاريخية المثيرة للجدل، توقف عبود عند الموقف الثوري والنقد الاجتماعي والديني الصارم الذي تميز به جده مارون عبود، والذي تجسد بوضوح في خطوة جريئة وغير مألوفة في تاريخ البيئة القروية والمسيحية المارونية المغلقة آنذاك، وهي تسمية ابنه—أي عم وليد عبود—باسم “محمد”. وأوضح عبود أن جده كان يعتز بلقب “أبو محمد” كرسالة فكرية عابرة للمذاهب والإنغلاقات الدينية، وهي خطوة واجهت بالـتأكيد رفضاً واعتراضاً من الكليروس والبيئة المحيطة، إلا أن مارون عبود فرض رؤيته وثبتها. وروى عبود كيف تحول اسم محمد في معمودية الكنيسة إلى “شربل” كحل للمجتمع، ولكنه ظل في الحياة اليومية محمداً، حتى أن البلدة اعتادت على اللفظ والنداء به صبحاً ومساءً، مما جعل الاسم مألوفاً وقريباً وجزءاً لا يتجزأ من الهوية العائلية. واستعاد عبود لحظة وفاة عمه محمد التي صادفت في عيد الفطر، وكيف تعمد في كلمة التأبين لفت نظر رجل الدين المسيحي إلى هذه المصادفة المعبرة، وهي لفتة تبناها الكاهن في تسعين بالمئة من وعظته متجاوزاً اللفظ المباشر للاسم لاعتبارات مجتمعية.

وأبدى عبود اعتزازه الكامل بالهوية والأسماء العربية الأصيلة، كاشفاً أنه لو رُزق بصبي لربما اختار له اسماً عربياً تاريخياً مثل “خالد” أو “عمر”، منتقداً النزعة السائدة لدى بعض العائلات في المجتمع اللبناني والبيئة المسيحية تحديداً للتخلي عن الأسماء العربية والذهاب نحو أسماء فرنسية أو إنجليزية أو إيطالية هجينة تحت وهم التميز، مستشهداً بنصيحة أستاذه الراحل الدكتور فؤاد أفرام البستاني، رائد الفكر اللبناني، الذي كان يشجع دائماً على التمسك بالأسماء العربية لما تحمله اللغة من جمال وهوية شرقيه أصيلة.

أما عن مرحلته الدراسية، فقد كشف عبود عن جانب المشاغبة والتمرد في طفولته ومراهقته، حيث بدأ دراسته في مدرسة “الفريير ماريست” في جونية ثم انتقل إلى مدرسة “الشونفيل” في ديك المحدي. واعترف بأن ضعف رغبته في المواد العلمية والرياضيات، إلى جانب هروبه المتكرر من ساعات الدراسة الإلزامية “الاتيود” لقراءة كتب خارجية موازية، دفع بإدارة المدرسة إلى اتخاذ قرار بفصله. وشكل هذا الحدث صدمة واستنفاراً كبيراً لوالده القاضي، ليتم نقله بعد ذلك إلى “معهد الرسل” في جونية عام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف. واعتبر عبود أن معهد الرسل كان له الفضل الأكبر في اكتشاف حقيقة شخصيته وانطلاقته، حيث احتضنت البيئة التعليمية هناك شغفه باللغة العربية، وأتاحت له فرصة تأسيس مجلات وجرائد صفية، إلى جانب اكتشاف موهبته الاستثنائية في الخطابة والإلقاء على يد أستاذه الإعلامي والكاتب الراحل وليام ظاهر، الذي كان يخصص له الدقائق الأخيرة من الحصص لارتجال خطابات سياسية وأدبية أمام زملائه.

واختتمت الحلقة الأولى من البرنامج بالإشارة إلى أن هذه المرحلة المدرسية الغنية في معهد الرسل، والتي تزامنت مع اندلاع الحرب اللبنانية عام خمسة وسبعين، كانت الحجر الأساس الذي تبلورت عنده فكرة الدخول إلى عالم الصحافة والإعلام، حيث بدأ الصراع الداخلي لديه بين التخصص الفكري والأكاديمي في الأدب العربي الذي نال فيه شهاداته، وبين عالم الصحافة الواسع الذي عاد واختاره لاحقاً لتبدأ مسيرة مهنية طويلة ومليئة بالمسؤوليات الكبرى والتميز في مختلف المؤسسات الإعلامية.