يونيو 30, 2026
أخبار لبنان مقالات خاصة

د. نجاة صليبا لمنصة “arabfiles”: كارتيل الإسمنت يبتز الدولة بـ 500 دولار للطن

د. نجاة صليبا لمنصة "arabfiles": كارتيل الإسمنت يبتز الدولة بـ 500 دولار للطن

فتحت النائبة الدكتورة نجاة صليبا ملفات بيئية واقتصادية بالغة الخطورة تمس الأمن المعيشي والصحي للمواطن اللبناني، وذلك في مقابلة أجرتها مع منصة arabfiles. وتناولت صليبا بالتفصيل كواليس تجديد رخص كارتيل شركات الإسمنت، والارتفاع الجنوني في الأسعار، بالإضافة إلى التداعيات البيئية الكارثية والمستقبلية لعمليات التفجير وجرف التربه في القرى الجنوبية بعد العمليات العسكرية الأخيرة.

وألقت صليبا الضوء في مستهل حديثها على الارتفاع القياسي في سعر طن الإسمنت بلبنان ليصل إلى خمسمائة دولار، وسط غياب مطبق وتام لأي رقابة أو تحرك من قبل وزارة الاقتصاد أو مصلحة حماية المستهلك. واعتبرت أن هذا الصعود الجنوني يعكس سياسة ابتزاز ممنهجة تلجأ إليها المصانع الكبرى مثل معامل سبلين وشكا لـلوى ذراع الحكومة وتعجيل الاستحصال على رخص جديدة. واستنكرت ما دار في لجنت الإشغال النيابية من تناغم مريب بين بعض النواب والمستفيدين من هذا القطاع، والذين مهدوا لتمرير رخصة ممتدة لعشر سنوات مقبلة، ورفع القدرة الإنتاجية من ثلاثة ملايين طن إلى ستة ملايين طن سنوياً، بالتوازي مع تعمد المعامل إطفاء أفرانها واحتجاز الإنتاج بذريعة نفاد مادة الكلينكر.

وانتقدت صليبا بشدة دور وزارة البيئة التي منحت الغطاء لهذا التجديد، متسائلة عن آليات الرقابة الحقيقية وجدوى الوعود بسحب الترخيص سنوياً في حال المخالفة. وأوضحت أن الوزارة لم تفرض معايير بيئية صارمة تمنع استيراد الفحم الحجري “البيت كوك” الذي يحتوي على نسب كبريت مرتفعة تصل إلى سبعة بالمئة وتُستخدم لتشغيل الأفران، كما لم تلزم الشركات بتركيب مكنات رصد دقيقة تقدم تقارير شهرية عن الانبعاثات الهوائية السامة. وحملت صليبا المعامل والكسرات المسؤولية المباشرة عن الارتفاع الهائل في نسب الإصابات بالأمراض السرطانية في مناطق مثل كفر حزير وبدبهون، مستشهدة بوفاة ستة أفراد من عائلة واحدة بالسرطان جراء الغبار والانبعاثات. وكشفت عن تقديم طعون قضائية عدة أمام مجلس شورى الدولة لإبطال هذا التجديد لمخالفته الأصول القانونية والتنظيمية وعدم أخذه برأي المجتمع المحلي. كما حذرت من بدعة معالجة النفايات التي تطرحها هذه الشركات كتعويض إنمائي للمنطقة، مؤكدة أنها عبارة عن محارق سامة ستضاعف من حجم الأزمة الصحية والبيئية. ودعت إلى فتح باب استيراد الإسمنت والكلينكر وخفض الجمارك فوراً لكسر الاحتكار وتأمين مستلزمات إعادة الإعمار دون الاستمرار في تدمير وتفتيت الجبال اللبنانية.

وفي الملف الثاني، حذرت الدكتورة صليبا من كارثة مستقبلية صامتة تهدد القطاع الزراعي والمائي في جنوب لبنان، وتتمثل في تسميم وتلويث التربة والمياه الجوفية جراء القصف الجوي والتفجيرات العسكرية الإسرائيلية من جهة، وتفخيخ وحفر شبكات الانفاق من قبل حزب الله بين الأحياء المدنية والضياع من جهة أخرى. وشرحت صليبا، مستندة إلى مقال نشرته في جريدة النهار، أن مقومات الحياة والزراعة تتركز في الطبقة السطحية للتربة على عمق لا يتعدى المتر الواحد، وأن التفجيرات العنيفة التي تخترق الأرض لعمق خمسة عشر متراً تؤدي إلى جرف كامل وتقليب للتربة وموت الكائنات الحية الدقيقة بداخلها، فضلاً عن تسرب الكيماويات والمخلفات السامة مباشرة إلى الأحواض المائية الجوفية.

وأشارت صليبا إلى أن صور الأقمار الاصطناعية تظهر اختلاطاً كاملاً للتربة بركام الأبنية والمتفجرات في حوالي ثمانين قرية جنوبية تعرضت للتدمير والمسح الكامل، وهو ما يجعل إعادة تعافي الأراضي الزراعية هناك عملية معقدة وطويلة المدى. ونبهت المواطنين العائدين إلى القرى الجنوبية بضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر لحماية أنفسهم من الكيماويات الحربية والمبيدات السامة مثل “الجلايفوسات” التي رشتها إسرائيل، داعية إياهم لارتداء ملابس وأحذية مغلقة، ووضع الكمامات والنظارات الواقية لتجنب تسرب السموم عبر الجلد أو استنشاق الغبار الملوث أثناء تفقد الركام والبيوت، فضلاً عن فحص مياه الآبار للتأكد من خلوها من المعادن الثقيلة واليورانيوم المستعمل في القذائف المخترقة للملاجئ.

وطالبت صليبا مركز البحوث العلمية التابع لمجلس الوزراء ببدء سحب عينات عاجلة وشاملة أفقياً وعمودياً لفحص الهواء والماء والتربة في الجنوب، مستفيداً من التمويل المتاح من الاتحاد الاوروبي. ودعت إلى تشكيل لجنة طوارئ وزارية لوضع إستراتيجية علمية واضحة للتعافي البيئي والزراعي، مؤكدة أن لبنان يمتلك الكفاءات والعلماء الشامخين في الجامعات المحلية ولا يحتاج لخبرات أجنبية لإدارة هذا الملف. وأوضحت أن بناء ملف علمي مخبري موثق بالأرقام والإثباتات هو السبيل الوحيد والركيزة الأساسية التي يمكن للدولة اللبنانية عبرها مقاضاة إسرائيل أمام المحاكم والمنصات الدولية وتجريمها على ما ارتكبته من حرب بيئية وإلزامها بالتعويض، مشددة في ختام حديثها على أن التربة ليست ترفاً بل هي أساس وبداية قيام الوطن والمحافظة عليها هي محافظة على الوجود اللبناني نفسه.