نفط العراق إلى طرابلس وسوريا: ما حقيقة الوثيقة الأميركية؟

بقلم ياسر هلال:يتصدر الحديث إعلامياً حول “وثيقة أميركية” تُنسب إلى توم براك، تروّج لإعادة إحياء خط أنابيب “كركوك – بانياس” لتصدير النفط العراقي عبر سوريا. لكن التدقيق في هذه المعطيات يكشف غياب أي مستند رسمي، كما يتجاهل الطرح مساراً أكثر واقعية وأهمية للبنان، وهو خط “البصرة – حديثة” الذي يتفرع لتزويد بانياس السورية وطرابلس اللبنانية، مما يفتح الباب أمام استغلال منشآت النفط في طرابلس كمركز استراتيجي واعد للتكرير، التخزين، وتجارة المشتقات النفطية.

“الوثيقة الأميركية”: حقيقة أم مجرد سردية؟

بعيداً عن الإيحاءات الإعلامية، لا توجد أي وثيقة، أو مذكرة داخلية، أو حتى إحاطة رسمية أميركية منشورة بهذا الشأن. كل ما في الأمر عبارة عن تصريحات متناثرة ومداخلات للملياردير توم براك. وسواء كان ما يُتداول اجتهاداً صحفياً مجمعاً أو تسريباً متعمداً، فإن هذه السردية تتطابق مع شخصية براك المعروف كـ”صانع صفقات” (Dealmaker) والداعم القوي لإحياء خط كركوك – بانياس.

بدائل مضيق هرمز: مشاريع تصطدم بالواقع

يبدو طرح إحياء الخط جذاباً جيوسياسياً، كونه ينسجم مع مساعي إعادة دمج سوريا اقتصادياً وتأمين بدائل لإمدادات الطاقة وسط المخاوف من إغلاق مضيق هرمز. لكن التحليل الرصين يثبت أن هذه “السردية” تصطدم بعقبات سياسية، أمنية، واقتصادية كبرى، وتتعارض كلياً مع أساسيات صناعة النفط والغاز.

تتفرع هذه السردية إلى أربعة محاور أساسية، ثلاثة منها تفتقر للواقعية الهندسية والتجارية:

  • خط الغاز القطري – التركي: اعتمدت الدوحة منذ عقود خيار تصدير الغاز المسال بدل الجاف، واستثمرت عشرات المليارات في البنية التحتية وأساطيل النقل. ولو أرادت التصدير عبر الأنابيب، لوسّعت “خط دولفين” الحالي أو أنشأت خطاً موازياً نحو عُمان.
  • تمديد خط الغاز العربي إلى تركيا: يطرح هذا المحور تساؤلاً جوهرياً يسقط الفكرة من أساسها: من أين سيأتي الغاز إذا كانت مصر قد تحولت فعلياً إلى دولة مستوردة صافية للغاز؟
  • خط أذربيجان – حلب: مشروع محدود الأبعاد والأهداف، موّلته قطر خصيصاً لتوفير الغاز لمحطات الكهرباء المحددة.

خط كركوك – بانياس: بين الجدوى والأمنيات السياسية

المحور الرابع والأهم في التسريبات هو خط “كركوك – بانياس”. لكن الحديث عن إحيائه يتجاهل حقيقتين ميدانيتين تعيقان أي محاولة جدية لتنفيذه:

الحقيقة الأولى: تعدد منافذ التصدير العراقية
لا يواجه العراق أية أزمة في تصدير نفط كركوك والشمال؛ فهو يمتلك خطين باتجاه ميناء جيهان التركي بطاقة تصميمية تبلغ 2.5 مليون برميل يومياً. الخط الأول هو الاتحادي (كركوك – فيش خابور) الذي أُهل جزئياً ليعمل بطاقة 350 ألف برميل حالياً، والخط الثاني “الكردي” الذي سُوّيت خلافات تشغيله مؤخراً بموجب قرار تحكيم دولي.

الحقيقة الثانية: تراجع إنتاج حقول الشمال
أصبحت حقول كركوك والشمال هرمة ومستنزفة إلى حد بعيد، ولا تتجاوز مساهمتها اليوم 15% من إجمالي الإنتاج العراقي. في المقابل، تتركز 85% من الثروة النفطية ومشاريع التطوير الضخمة للشركات الأجنبية في حقول الوسط والجنوب.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram