بقلم ليال مظلوم
لسنوات طويلة، دأبت الطبقة السياسيّة في لبنان على استخدام عبارة “الوحدة الوطنيّة” كما لو أنها صيغة مقدّسة، عبارة يُفترض بها أن تهدّئ المخاوف، وتُسكت الاعتراضات، وتحافظ على وهم المشروع الوطنيّ المشترك. لكن هذه العبارة لم تعد بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، ولا سيما لدى شريحة واسعة من المسيحيين، وكذلك لدى فئات أخرى عبر مختلف الطوائف، مصدر طمأنينة. بل باتت تثير شعورًا متزايدًا بالإرهاق والمرارة.
إنّ لبنان يعيش اليوم ما يمكن تسميته بـ “إرهاق الوحدة”.
المقصود بذلك هو اقتناع متنامٍ بأن كلفة الحفاظ على لبنان الموحّد أصبحت كلفة غير عادلة، وغير متوازنة، وبالنسبة إلى كثيرين لم تعد قابلة للاستمرار لا واقعيًّا، ولا أخلاقيًّا ولا سياسيًّا. المشكلة ليست في العيش المشترك. المشكلة في صيغة تحتفظ فيها قوّة مسلّحة عقائديّة لنفسها بحقّ تقرير المصير الاستراتيجيّ للبلاد، فيما يُطلب من سائر اللبنانيين أن يدفعوا الثمن باسم التضامن الوطنيّ. وفي قلب هذا الإرهاق يقف “حزب الله”.
فلسنوات، قدّم “حزب الله” نفسه على أنه حركة مقاومة لبنانيّة. لكن كثيرًا من اللبنانيين باتوا يرون فيه شيئًا مختلفًا تمامًا: بنية مسلّحة مرتبطة بعقيدة ولاية الفقيه الإيرانيّة، تعمل من داخل لبنان، لكنّها تستخدم مؤسّسات لبنان وموارده وأرضه وهويّته في خدمة مشروع أكبر من لبنان، وغير خاضع للمساءلة أمام الشعب اللبنانيّ.
هذه ليست فقط أزمة سيادة. بل هي أيضًا أصل التشوّه الذي أصاب الدولة اللبنانيّة.
كثيرًا ما يُوصَف لبنان في الخارج بأنّه بلد فاسد تتنازعه شبكات فساد متعدّدة. لكن هذا التشخيص يبقى سطحيًّا ومضلّلًا. فهو يوحي بمرض بلا فاعل، وبانهيار حدث وكأنّه نتيجة طبيعيّة لضعف الدولة اللبنانيّة. أمّا الحقيقة التي بات يراها عدد متزايد من اللبنانيين فهي أكثر قسوة. ميليشيا الحزب لم تستفد فقط من الفساد، بل بنت وحمت ورعت نظامًا مافيويًّا، لأنّ هذا النظام كان جزءًا أساسيًّا من آليّة تمويلها، وحماية نفوذها، وتطبيع سطوتها.
بهذا المعنى، ميليشيا الحزب هي التي أنشأت المافيا.
أقامت نظامًا يقوم على الترهيب السياسيّ، والانتقائيّة في تطبيق القانون، والتهريب، والزبائنيّة، والإمساك بالمؤسّسات. لم يكن ضعف الدولة مجرّد نتيجة لهشاشة لبنان، بل كان حاجة وظيفيّة لهذا المشروع. لم يغب القانون فقط، بل جرى تطويعه. ولم تُهدر الموارد العامة فقط، بل جرى توجيهها ضمن بيئة تسمح بتعايش الدولة الشكليّة مع التفوّق المسلّح الفعليّ.
وهنا يكمن المصدر الأوّل لإرهاق الوحدة المتمثّل بالظلم الاقتصاديّ.
فالمواطنون الذين ما زالوا يؤمنون بالدولة يُطلب منهم أن يموّلوا نظامًا مصمّمًا ضدهم. أصحاب الأعمال، والمهنيون، والعمال، ودافعو الضرائب، جميعهم يُطلب منهم تحمّل عبء الانهيار الوطنيّ، فيما تتغذى بنية القوّة الحقيقيّة من ضعف المؤسّسات. ما يُسمّى وحدة وطنيّة بات يبدو أكثر فأكثر كأنّه دعم قسريّ، يدفع فيه الملتزمون بالقانون ثمن من يستفيد من غيابه، ويحمل المنتجون أوزار من يربحون من الفوضى.
أمّا المصدر الثاني لإرهاق الوحدة فهو الكلفة البشريّة.
لقد احتفظ “حزب الله” لنفسه بقرار إشعال الحرب، وتصعيد المواجهة، وربط لبنان بصراعات لا تملك الدولة اللبنانيّة السيطرة عليها ولا القرار فيها. لكن الثمن لا يدفعه “حزب الله” وحده. الثمن يدفعه المدنيون اللبنانيون. تدفعه العائلات في الجنوب. يدفعه الآباء الذين يدفنون أبناءهم. يدفعه الناس الذين يخسرون بيوتهم وأرزاقهم وما تبقّى لديهم من إيمان بأن هذا الوطن قادر على حمايتهم من قرارات لم يشاركوها أصلًا.
لا يمكن لأي مجتمع أن يحتمل هذا الترتيب إلى ما لا نهاية.
لا يجوز أن يخسر طفل لبنانيّ مستقبله لأنّ قرار الحرب والسلم يُتخذ خارج الدولة. ولا يجوز أن تتحوّل العائلات اللبنانيّة إلى بوليصة تأمين لمشروع إقليميّ عقائديّ. ولا يجوز أن يُطلب من المواطن أن يصمت أمام الدمار، لأنّ خطاب “المقاومة” تحوّل إلى درع يحمي من المحاسبة.
أمّا المصدر الثالث لإرهاق الوحدة فهو أكثر خطورة من ذلك كله، ويكمن في إساءة استخدام الهويّة الوطنيّة.
ف”حزب الله” لم يستخدم الأرض اللبنانيّة فقط، بل استخدم فكرة لبنان نفسها، في تعدّديته، وصفته الدوليّة، وشرعيّته الدبلوماسيّة، ومرونته الوطنيّة، كغطاء. يصبح لبنان واجهةً يعمل خلفها مشروع فوق وطنيّ. تصبح الأمّة نفسها وسيلة تمويه. تخفّف مؤسّساتها من حدّة التدقيق. ويوفر علمها غطاءً سياسيًّا. وتتحّول الهويّة الوطنّية من مساحة انتماء إلى درع يحمي بنية مسلّحة من خارج القانون ومتمرّدة على الدولة، مرجعيّتها الفعلية في مكان آخر.
ولهذا السبب تحديدًا، تفقد كلمة “الوحدة” شيئًا فشيئًا قوّتها الأخلاقيّة.
لأنّ الوحدة لا يمكن أن تستمر كنظام يقرّر فيه البعض ويدفع فيه الجميع. ولا يمكن أن تعني الوحدة أن يحتكر طرف واحد السلاح والاستراتيجيّة والتصعيد، فيما يقدّم باقي المجتمع الشرعيّة، والأوكسيجين الماليّ، والتضحيات البشريّة. ولا يمكن أن تعني أنّ من لا يزال يؤمن بلبنان يُطلب منه، عامًا بعد عام، أن يحافظ على بيت مشترك جرى تفخيخه سياسيًّا وأمنيًّا وماليًّا، حتى بات يهدّد من يسكنه بدل أن يحميه.
وقول ذلك ليس هجومًا على الشيعة اللبنانيين، وليس دعوة إلى كراهية أو إقصاء أو تقسيم. فالمسألة ليست مسألة طائفة. المسألة هي ما إذا كان يمكن لأيّ وطن أن يبقى وطنًا عندما تصبح بنية مسلّحة عقائديّة أقوى من الدولة، ثم تنشئ حول نفسها نظامًا سياسيًّا ـ مافيويًّا لتمويل تفوّقها، وحمايته، واستدامته.
هذا هو السؤال الذي بات اليوم في قلب أزمة لبنان.
إنّ الخطر الحقيقي الذي يواجه لبنان ليس فقط الانهيار الاقتصاديّ، ولا فقط العدوان الإسرائيليّ، ولا فقط احتمالات الحرب الإقليميّة. الخطر الحقيقيّ هو إنهاك الفكرة نفسها: فكرة أنّ هذا البلد يمكن أن يبقى ملكًا متساويًا لجميع أبنائه.
فإذا أريد للوحدة اللبنانيّة أن تبقى، فلا بد أن تُبنى من جديد على قاعدة العدالة، والتكافؤ، والدولة: سيادة واحدة، وجيش واحد، ونظام مالي واحد، وسلطة واحدة على قرار الحرب والسلم.
أما ما دون ذلك، فليس وحدة. إنه إخضاعٌ مُقنَّع. ولهذا السبب تعب كثير من اللبنانيين، لا من بعضهم البعض، بل من مطالبتهم المستمرة بإنقاذ وحدةٍ جرى تفخيخها ضدّهم .