ديفيد إغناتيوس – فورين بوليسي
في عام 1983، كتبت مقالاً لمجلة الشؤون الخارجية بعنوان، بدا اليوم ساذجاً إلى حد السخرية: «كيفية إعادة بناء لبنان». بدت المهمة آنذاك واضحة: على الولايات المتحدة أن تساعد هذا البلد الصغير والهش على استعادة سيادته، وأن يصبح دولة من جديد، بدلاً من أن يبقى كيس ملاكمة للقوى المتحاربة في المنطقة.
بعد أكثر من أربعة عقود، لا تزال هذه المهمة صحيحة، لكننا نعلم اليوم أنها بالغة الصعوبة. فإسرائيل تطالب بحق دائم في مهاجمة حزب الله، حليف إيران، الذي لا يزال يمتلك ترسانة صاروخية قادرة على تشكيل تهديد حقيقي. والحكومة اللبنانية تريد بسط سلطتها على حزب الله، لكن جيشها لا يزال ضعيفاً. أما الولايات المتحدة، فتقف على الهامش، تحاول عبثاً وقف دوامة الفوضى.
دخلت إدارة دونالد ترامب الآن ما وصفه الصحافي اللبناني مايكل يونغ بـ«مقبرة أصحاب المشاريع الطموحة». وقد قال نائب الرئيس جيه دي فانس، المكلّف الإشراف على المفاوضات الشاقة، الأسبوع الماضي: «الأمر يتعلق بالسلام الإقليمي. نتوقع ألا يطلق حزب الله صواريخ على الإسرائيليين، ونتوقع أيضاً ألا يلجأ الإسرائيليون إلى العنف ضد لبنان».
أتفق مع هذا المبدأ. فأنا من أشد المؤيدين لمساعدة لبنان. لكن هذه المرة، ينبغي على الولايات المتحدة أن تدخل الملف اللبناني بقدر أكبر من الحزم والواقعية. لقد كررنا الأخطاء نفسها منذ مطلع الثمانينيات. تجاهلنا نصيحة المؤرخ اللبناني كمال صليبي الذي قال: «نادراً ما تنخرط دولة صغيرة في صراع دولي بما يخدم مصالحها».
إن نقطة البداية الصحيحة اليوم هي الإصرار على السيادة اللبنانية. وقد يثير ذلك استياء بعض الإسرائيليين الذين ينظرون إلى لبنان باعتباره امتداداً شمالياً يمكن قصفه أو اجتياحه متى شاؤوا. لكن إسرائيل جرّبت مراراً إخضاع خصومها في لبنان بالقوة، ولم تنجح. فلبنان ليس غزة، ولا يمكن الاستمرار في سياسة «جزّ العشب» داخل دولة أخرى.
لقد شاهدت إسرائيل ترتكب أخطاءً فادحة في لبنان طوال خمسة وأربعين عاماً. إنها قصة من التجاوزات المتكررة، تعقبها محاولات أمريكية لإصلاح الأضرار. يسود السلام لفترة قصيرة، ثم يعود العنف. وقد لخّص الباحث فؤاد عجمي المشكلة بقوله إن لبنان كان «كحديقة بلا أسوار… مكشوفاً للغاية، تحت رحمة الغرباء».
في مطلع الثمانينيات، لم يكن حزب الله هو التهديد لإسرائيل، بل منظمة التحرير الفلسطينية. وكان لبنان قد تنازل فعلياً عن سيادته لمنظمة التحرير بموجب اتفاق القاهرة عام 1969. وبعد خروج الفلسطينيين من الأردن عام 1970، أصبح لبنان قاعدة لشن الهجمات على إسرائيل. وردّت إسرائيل بقوة، ثم أقنع وزير الدفاع آنذاك أرييل شارون رئيس الوزراء مناحيم بيغن باجتياح لبنان حتى بيروت عام 1982.
تعثر الاجتياح الإسرائيلي في صيف عام 1982، إذ صمدت منظمة التحرير الفلسطينية رغم القصف الجوي والبري والبحري. وكان عجز إسرائيل عن فرض حل عسكري نذيراً لما سيحدث لاحقاً في غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، ثم في إيران هذا العام.
اقتنع بيغن لاحقاً بأن الاجتياح كان خطأ. وعندما أجريت معه مقابلة في القدس في أغسطس 1983، قال مساعدوه إنه لم يستطع نسيان عدد القتلى اليومي في لبنان. وقال سكرتيره الشخصي يحيئيل كاديشاي: «الحقيقة أنه حزين».
نجح الدبلوماسي الأمريكي فيليب حبيب في التوسط لخروج منظمة التحرير من بيروت عام 1982، لكن السلام لم يدم طويلاً. وقد حملت سيرته الذاتية الصادرة عام 2002 عنواناً معبّراً: «ملعون صانع السلام».
وكانت نتائج حرب 1982 مثالاً واضحاً على قانون النتائج غير المقصودة في الشرق الأوسط. فقد أدى خروج منظمة التحرير الفلسطينية إلى صعود ميليشيا حزب الله، التي نفذت تفجير السفارة الأمريكية وثكنات مشاة البحرية، وخطفت صحفيين أمريكيين، واغتالت مسؤولين، وخاضت حرباً مع إسرائيل استمرت أكثر من أربعة عقود.
ما الذي تغيّر اليوم وقد يبرر انخراطاً أمريكياً جديداً؟
أرى تغييراً أساسياً واحداً: للمرة الأولى، يمتلك لبنان رئيساً يبدو جاداً في استعادة سيادة الدولة، هو جوزيف عون، كما يمتلك جيشاً قد يصبح، مع مرور الوقت، قادراً على دعمه. لكن هذا التعافي لن يكون ممكناً إلا بشرطين: خروج إسرائيل وإيران من لبنان، وبقاء الولايات المتحدة داعماً.
لا ينبغي لإسرائيل ولا لإيران أن تمتلكا حق النقض على أمن لبنان. ومع ذلك، تبدو إدارة ترامب وكأنها تقبل بالأمرين معاً. فإسرائيل أصبحت جزءاً من آلية وقف إطلاق النار التي تقودها الولايات المتحدة، بينما أصبحت إيران، بصورة لافتة، جزءاً من «خلية فض الاشتباك» التي أعلن عنها الوسطاء قطر وباكستان.
ذكّر الرئيس جوزيف عون العالم يوم الاثنين قائلاً: «نرحب بأي مساعدة لإنهاء الحرب، لكننا نميز بين المساعدة والتدخل في الشؤون الداخلية لأننا دولة ذات سيادة، ولا أحد يتفاوض نيابة عنا».
أما في ما يتعلق بالدور الإيراني فقال هذا الشهر: «إنها ليست دولتكم، إنها دولتنا… وليس من شأنكم التدخل في شؤوننا».
واعترض إسرائيليون على ما اعتبروه تجاهلاً من ترامب لمتطلبات أمنهم في محاولته معالجة الأزمة اللبنانية. لكن كبير المحللين العسكريين الإسرائيليين داني سيترينوفيتش قال: «لا نلوم إلا أنفسنا. فبدلاً من مدّ يد العون للرئيس اللبناني جوزيف عون، انطلاقاً من إدراكنا أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة اللبنانية، وأن إسرائيل لن تنزع سلاح حزب الله بالقوة وحدها، اخترنا الانتظار… وفضلنا الاعتماد على القوة العسكرية بدلاً من ترجمة الإنجازات العسكرية إلى خطوة دبلوماسية».
ويبقى السؤال: هل تملك إدارة ترامب الجرأة أو الحكمة لدعم استقلال لبنان فعلاً؟
لقد شعرت بالغثيان عندما اقترح ترامب أن تتولى سوريا معالجة ملف حزب الله، لأنه بدا غير مدرك أن اقتراحاً أمريكياً مماثلاً بعد الحرب الأهلية أدى إلى خمسة وعشرين عاماً من الاحتلال السوري للبنان.
كل ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم سبق أن حدث بطريقة أو بأخرى. وقد شعرت بذلك عندما دعم ترامب اتفاقية السلام بين إيران ولبنان في قصر فرساي. فثمة صدى واضح لمعاهدة فرساي عام 1919 التي أنهت الحرب العالمية الأولى، لكنها وضعت أسس قرن كامل من الصراعات، وهو ما وصفه المؤرخ ديفيد فرومكين في كتابه الشهير: «سلام ينهي كل سلام».
لقد جربنا هذا المسار من قبل وفشلنا. وعندما كانت المهمة العسكرية الأمريكية في لبنان تنهار بعد الاجتياح الإسرائيلي، سخر وزير الخارجية السوري آنذاك قائلاً إن الولايات المتحدة «تعاني من ضيق في التنفس». وكان محقاً.
هذه هي أسوأ صفات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط: إطلاق وعود لا تستطيع الوفاء بها.
لا ينبغي تكرار هذا الخطأ. إن مساعدة لبنان المنكوب على التعافي من الحرب مهمة نبيلة، لكنها ليست سهلة. وإذا لم يكن دونالد ترامب قادراً على إنجازها، فمن الأفضل ألا يبدأها أساساً.
أخبار لبنان
الرئيسية
ينبغي على كل من إسرائيل وإيران مغادرة لبنان
- by arab files
- 0 Comments
- Less than a minute
- ساعتين ago
