كتب حسين عبدالحسين
كان لافتا أنه في اليوم التالي لاندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أصدر تحالف الإطار التنسيقي العراقي، الذي ينضوي تحت لوائه ثماني كتل برلمانية شيعية تشكّل الغالبية في مجلس النوّاب، بيانا شدّد فيه على ضرورة حياد العراق في الحرب. من الكتل الثمانية شخصيات معروفة بقربها من طهران، مثل قادة الحشد الشعبي وعصائب أهل الحق. مع ذلك، التزم هؤلاء موقف الحياد العراقي، بل أن العصائب، بقيادة قيس الخزعلي، ذهبت أبعد من ذلك، إذ هي أدانت هجوم الميلشيات الموالية لإيران على مقر الاستخبارات العراقية بعدما نجحت الأخيرة في تفكيك خلايا مسلحة كانت تعمل لاستهداف مواقع أميركية في العراق.
ومثل الإطار التنسيقي، كانت حكومة العراق برئاسة محمد شياع السوداني تصدر البيانات التي تشدد على ضرورة حياد العراق إقليميا، فيما كانت تأمر القوات النظامية العراقية بمطاردة الميليشيات الخارجة عن الشرعية التي توالي إيران والتي استهدفت مواقع أميركية. هذه الميلشيات هي حزب الله العراقي، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وحركة أنصار الله الأوفياء، وكتائب الإمام علي.
حتى فائق زيدان، المحسوب على إيران والذي يتولى أعلى منصب قضائي في البلاد، حذّر من مغبة انفراد بعض الفصائل المسلحة بإعلان الحرب بشكل منفرد، مؤكدا أن ذلك يشكّل خرقا صريحا للدستور ويهدد استقرار الدولة والمجتمع.
والحال هذه، ما سرّ وقوف حلفاء إيران العراقيين على الحياد فيما رمى أزلام إيران في لبنان أنفسهم في أتون التهلكة في حرب ضد إسرائيل ثأرا لمقتل خامنئي؟
لابتعاد شيعة العراق عن إيران الإسلامية أسباب متعددة أبرزها:
1- قوة الشعور القومي العراقي العربي ورفضه الانصياع لقيادة إيرانية، وهذا شعور ذي وجهين، واحد قومي عربي في مواجهة الفرس، وثاني شيعي عربي يرى نفسه أصل المذهب الشيعي الذي انطلق من النجف والكوفة وكربلاء، فيما مشهد وقم هي بمثابة الفروع الإيرانية عن الأصل العربي. وفي سني اقامته في النجف، واجه مراجع الشيعة الكبار روح الله الخميني ونظريته حول الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه واعتبروها خروجا عن المذهب الصامت الذي يقضي بتعدد المرجعيات بدلا من حصرها بمرشد أعلى وينصح المؤمنين بموالاة حكومات دولهم والصبر على الظلم، إن لحقهم، في انتظار عودة الإمام الحجة المهدي الذي يملأ الدنيا قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا.
2- في انتخابات 2021، خسرت الأحزاب الشيعية التي كانت تعلن الولاء لإيران أكثر من مئة مقعدا برلمانيا. تنبه قادة شيعة العراق، مثلا الخزعلي، أن الشعور القومي العراقي ما يزال قويا، اذ ذاك، تراجعت الأحزاب الشيعية عن تمجيد إيران وعادت للتمسك بشعار “العراق أولا”، الذي يقضي بحياده عن حروب إيران في المنطقة. حتى رئيس الحكومة العراقي السابق نوري المالكي فشل في محاولة الفوز بترشيح “الإطار” لهذه الدورة على الرغم من محاولاته اقناع قادته أن الراحل علي خامنئي أوصى برئاسة الحكومة للمالكي قبل وفاته بقليل.
3- يبلغ عدد شيعة العراق حوالي 25 مليون نسمة، وهو عدد ضخم مقارنة بمليوني شيعي لبناني. هذا يعني أنه لدى إيران قدرة شراء ذمم عدد كاف من شيعة لبنان، ويقوم هؤلاء بإرهاب الباقين، فتسيطر ايران على ثلثي شيعة لبنان، وتاليا تحتكر قرارهم في دولة لبنان. لكن هذه الحسبة متعذرة في العراق، اذ من الصعب شراء 25 مليون عراقي، خصوصا أن واردات حكومة العراق أكبر من واردات نظيرتها الإيرانية، وهو ما يعني أن الحرس الثوري غالبا ما يستجدي حكومة العراق لتهرّب الدولارات المرصودة في الموازنة السنوية للحكومة، بواقع ثلاثة مليارات دولارات، الى إيران. بكلام آخر، مستوى شيعة العراق المعيشي أعلى من نظرائهم الإيرانيين، وهو ما يجعل شراء طهران لهم صعبا، على عكس لبنان، حيث كان ثلث الشيعة على الأقل يعيشون على عطاءات الجمهورية الإسلامية، وتاليا يدينون لها بالولاء.
4- القضية الفلسطينية لا تحوز على اهتمام العراقيين مثل نظرائهم اللبنانيين، فالعراقيين لا يرون في القدس أرضا مقدسا بالقدر الكافي. وفي الفكر الشيعي، ترتيب أهمية المدن هي على الشكل التالي: مكة، ثم المدينة، فالنجف، ثم كربلاء، فالكوفة، ثم باقي المدن التي تستضيف قبور الأئمة الأحد عشر. أما القدس، فباني مسجدي مجمّع الأقصى هما الخليفة عمر بن الخطاب، مغتصب ولاية الإمام علي، والأموي عبدالملك بن مروان، والأمويون يلعنهم الشيعة لقتلهم الحسين. إذا، لا ارتباط ديني شيعي واضح بالقدس ولا بأي بقعة من فلسطين. ثم أن العراقيين يعتقدون بلادهم أمة عريقة، ولا يرفعون فلسطين ولا قضيتها الى مراتب أعلى من عراقيتهم، في وقت ارتبطت فلسطين بالقومية العربية وحزب البعث العربي الإشتراكي وصدام حسين، وكلها ارتباطات يكرهها شيعة العراق، ما يجعل ارتباطهم بالقضية الفلسطينية من الأكثر سطحية بين عرب المشرق وشمال أفريقيا.
أما شيعة لبنان، فعالمهم يختلف عن شيعة العراق، للأسباب التالية:
1- على الرغم من محاولة ربط جبل عامل بأبي ذر الغفاري، الا أن الربط الأساطيري للبنان بالروايات الشيعية ضعيف جدا ولا يوجد تاريخ شبيه بتاريخ النجف والكوفة وكربلاء شيعيا في لبنان. اذا، لبنان ليس بلدا شيعيا بل بلد يشكل فيه الشيعة، البالغ عددهم مليونين، أقلية، وهم أقلية أصغر بين سكان المشرق عموما، والبالغ عددهم 60 مليونا، ذات غالبية سنيّة.
2- ضعف المرجعية العراقية في زمن صدام حسين فتح الباب لتوسّع المرجعية الثانوية الإيرانية، التي استقطبت شيعة لبنان، على الرغم من محافظة أقلية فيه على تقليد مرجعية النجف، أولا أبو القاسم الخوئي، ثم علي السيستاني، وبينهما محمد حسين فضل الله، الأقرب الى النجف، والذي أشعلت إيران حربا ضد نشره رسالته وإعلان نفسه مرجع تقليد. ثلث شيعة لبنان على الأقل لا يدينون بالولاء لإيران ولا لمرجعيتها، ولكن هؤلاء لا صوت لهم أمام “حزب الله” وسلاحه وسطوته.
3- يربط حليف حزب الله رئيس مجلس النواب نيبه بري حركة أمل بمرجعية النجف، لكن لا حيثية دينية لبرّي ولا لحركته التي صارت تشكّل جناح الدولة العميقة لحزب الله من دون القدرة على التأثير في مواقف الحزب.
4- نجحت إيران في قلب موقف شيعة جنوب لبنان من ناقم على ميليشيات منظمة التحرير الفلسطينية، التي عاثت فسادا في الجنوب وحولته الى ساحة حرب، الى ناقم على العنف المضاد للفلسطينيين الذي مارسته إسرائيل. هكذا، أنست إيران شيعة الجنوب أن مشكلة العنف الإسرائيلي باتجاههم ليس سببه مشكلة بين إسرائيل وشيعة لبنان، بل بسبب انطلاق العنف الفلسطيني من أراضي شيعة لبنان. هذا العنف الفلسطيني ورثه حزب الله، وهكذا نجح في إسالة دماء بين إسرائيل والشيعة، وأدخل الطرفين في دوامة عنف وانتقام يصعب كسرها. ويمكن النظر للأمان الذي يتمتع به اللبنانيون من غير الشيعة في الجنوب لإدراك أن لا مشكلة لإسرائيل مع لبنان، ولا مع سكانه، ولا مع شيعته، وإن العداء هو ورقة عنف كانت تستخدمها إيران ضد إسرائيل لابتزاز أميركا والغرب.
لحسن حظ شيعة العراق، بدأت رحلة الافتراق عن إيران وولاية الفقيه والاقتراب من الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي. ولسوء حظ شيعة لبنان أنه فيما نأى شيعة العراق بأنفسهم عن جهنم الحرب الأميركية الإيرانية، رمى شيعة لبنان بأنفسهم الى التهلكة في الانخراط في حرب كانت معروفة أنها لن تقدم ولن تؤخر في موازين القوى غير تهجير شيعة الجنوب بصورة ستصبح دائمة اذا ما حافظ حزب الله على سلاحه.
- باحث في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات في واشنطن