غراهام يضع باكستان في قفص الاتهام الأميركي

حين يفقد الوسيط حياده
في عالم الدبلوماسية، هناك قاعدة بسيطة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: لا يمكن للوسيط أن يضع قدماً في غرفة التفاوض وقدماً أخرى في خندق أحد المتفاوضين. الوسيط إما أن يكون مساحة ثقة، وإما أن يتحول إلى جزء من المشكلة. ومن هذه الزاوية تحديداً، يكتسب كلام السناتور الأميركي ليندسب غراهام أهمية تتجاوز حدود الموقف الشخصي لتتحول إلى مؤشر سياسي على مزاج متصاعد داخل واشنطن تجاه باكستان.
حين قال ليندسي غراهام: «أنا لا أثق بباكستان أبعد من المسافة التي أستطيع أن أرميها»، لم يكن يستخدم استعارة ساخرة. الرجل المعروف بقربه من دوائر القرار الأمني والعسكري في الولايات المتحدة كان يوجّه رسالة واضحة مفادها أن إسلام آباد لا تُنظر إليها في واشنطن باعتبارها وسيطاً محايداً، بل بوصفها طرفاً تتشابك مصالحه وتحالفاته بطريقة تجعل الثقة به أمراً بالغ الصعوبة.
وجاءت هذه التصريحات بعد تقارير إعلامية تحدثت عن نقل طائرات عسكرية إيرانية إلى قواعد جوية باكستانية، بينها طائرة استطلاع من طراز «آر سي 130»، في خطوة فسّرها بعض المراقبين على أنها محاولة لتوفير ملاذ آمن لأصول عسكرية إيرانية خشية تعرضها لأي ضربات أميركية أو إسرائيلية محتملة. سواء ثبتت هذه المعلومات بشكل قاطع أم بقيت في إطار التقارير المتداولة، فإن مجرد تداولها كان كافياً لإشعال الشكوك داخل الكونغرس الأميركي.
هنا تكمن المفارقة. الدولة التي تعرض التوسط بين الولايات المتحدة وإيران تجد نفسها متهمة بإخفاء طائرات الطرف الذي تدّعي أنها تتوسط معه. وعند هذه النقطة، تصبح الوساطة فاقدة لشرطها الأساسي: الحياد.
ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها باكستان أزمة ثقة مع الولايات المتحدة. فمنذ سنوات طويلة، تنظر واشنطن إلى العلاقة مع إسلام آباد بكثير من الحذر. تعاون أمني من جهة، وشكوك عميقة من جهة أخرى. شراكة تكتيكية حين تقتضي المصالح، واتهامات متكررة بازدواجية السلوك عندما تتضارب الأولويات.
في الذاكرة الأميركية ما يكفي لتغذية هذا الشك: العلاقة المعقدة مع حركة طالبان، والاتهامات المتكررة لأجهزة الدولة الباكستانية بإدارة سياسة تقوم على الاحتفاظ بأوراق ضغط متعددة واستخدامها عند الحاجة. لذلك، فإن أي خبر يتعلق بإيران يوقظ فوراً هذا الإرث الثقيل من الريبة وعدم الاطمئنان.
أما إيران، فهي تدرك جيداً قيمة الموقع الباكستاني. دولة نووية، حدود مشتركة، وعلاقات تسمح بهوامش مناورة سياسية وأمنية لا تملكها دول أخرى في المنطقة. ومن هنا، فإن مجرد الحديث عن إيواء طائرات إيرانية في باكستان يرسل رسالة تتجاوز الجانب العسكري: طهران ما زالت تمتلك منافذ إقليمية قادرة على مساعدتها في توزيع المخاطر وتخفيف الضغوط.
لكن ما يهم واشنطن ليس فقط حقيقة وجود الطائرات من عدمه، بل الرسالة السياسية الكامنة وراء ذلك. فإذا كانت باكستان تريد لعب دور الوسيط، فعليها أولاً أن تقنع الأميركيين بأنها لا تؤدي في الوقت نفسه دور الحليف الصامت لإيران.
تصريحات ليندسي غراهام تكشف أيضاً أن الصبر الأميركي تجاه الوسطاء التقليديين بدأ ينفد. فالإدارة الأميركية لا تبحث عن وسطاء يضيفون طبقة جديدة من الغموض، بل عن قنوات واضحة ومباشرة يمكن البناء عليها للوصول إلى نتائج ملموسة.
وفي هذا السياق، يبدو أن واشنطن تقترب أكثر فأكثر من قناعة مفادها أن المرحلة الحالية لا تحتمل كثيراً من المناورات الدبلوماسية. إما أن يثبت الوسطاء حيادهم بصورة لا لبس فيها، وإما أن يتحولوا إلى جزء من المشكلة التي تسعى الولايات المتحدة إلى معالجتها.
هكذا، لم يكن كلام ليندسي غراهام مجرد تعليق عابر على خبر إعلامي. كان إعلاناً سياسياً بأن الثقة، وهي العملة الأكثر ندرة في العلاقات الدولية، أصبحت مفقودة بين واشنطن وإسلام آباد.
وعندما يفقد الوسيط الثقة، يفقد أهم ما يملكه. وعندما يسقط قناع الحياد، لا يبقى أمام الأطراف سوى احتمال واحد: أن يتقدم الصراع خطوة إضافية نحو المواجهة المباشرة.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram