أغسطس 6, 2026
الرئيسية أخبار لبنان

“سيدة حريصا”… من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية

"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية

تُعدُّ سيِّدة لبنان في حريصا أحد أبرز المعالم الدينية والسياحية في الشرق الأوسط وهي تستقطب سنويًّا مئات آلاف الزوار من لبنان والعالم بعدما أصبحت رمزًا دينيًّا ووطنيًّا يطل على خليج جونيه من تلال كسروان العاصية. 

إلا أن ما لا يعرفه كثيرون هو أن اسم “حريصا” نفسه يحمل حقيقة تاريخية تعود جذورها إلى أعالي قضاء البترون وتحديدًا إلى بلدة تنورين ومنطقة أو حي حريصا في أعاليها قبالة غابة الأرز الدهرية.

 وفي كتابه: “ذاكرة تنورين، قصة أرض وتراث شعب”، يُشير القاضي بسام وهبه رعيدي إلى أن الاسم انتقل مع سكان “حريصا” الذين نزحوا من تنورين إلى كسروان في النصف الثاني من القرن الثامن عشر (١٧٧٥ تقريبًا) بعد أحداث دامية شهدتها المنطقة في ظل الحكم العثماني، لتبدأ بعد ذلك رحلة تاريخية انتهت بقيام أشهر مزار مريمي في لبنان ومنطقة والشرق.

أولاً: حريصا في أعالي جبال تنورين:

على ارتفاع يتراوح بين 1550 و1750 مترًا وقرب غابة أرز تنورين يقع حي حريصا، حيث لا تزال آثار كنيسة قديمة مهدَّمة قائمة حتى اليوم إلى جانب كنيسة أحدث شُيِّدت قبل اندلاع الحرب اللبنانية عام ١٩٧٥، إضافة إلى مزار صغير ودرج أعِدَّ على الطريق العام لاستقبال الزوار.

وتشير المعطيات التاريخية إلى أن الكنيسة الأولى يعود تاريخها إلى مئات السنين، بينما بُنيَت كنيسة أخرى أواخر القرن التاسع عشر لتضم المنطقة اليوم كنيستين تحملان اسم السيدة العذراء في مشهد يجمع بين التاريخ والتراث الديني والطبيعة الجبلية.

ثانيًا: أحداث القرن الثامن عشر بداية رحلة النزوح:

شهد شمال جبل لبنان خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر اضطرابات سياسية واجتماعية بعدما كانت المنطقة تتبع لولاية طرابلس العثمانية وكان تحصيل الضرائب يُسند إلى متعهدين من آل حمادة، استخدموا أحيانًا القوة والبطش في جباية الأموال والاستيلاء على الأراضي الزراعية.

وتفيد الروايات المتوارثة أن منطقة حريصا في تنورين التي كان معظم سكانها من آل يونس وبعض العائلات التَنُّوريَّة الأخرى تعرَّضت حوالى عام 1774 – ١٧٧٥ لهجوم مفاجئ من آل حمادة الذين قدموا من البقاع عبر أعالي جبل المكمل أثناء وجود الأهالي داخل الكنيسة للصلاة في مناسبة دينية، مما أدَّى إلى إحراق الكنيسة وعدد من المنازل وتخريب المزروعات وسقوط عدد من القتلى والجرحى، الأمر الذي دفع بقسم كبير من السكان إلى النزوح نحو مناطق مختلفة كان أبرزها تلة الرويس المطلة على البحر وخليج جونيه وهي تقع في بلدة درعون – كسروان.

ويُروى كذلك عن مواجهات لاحقة خاضها أبناء تنورين ضد المهاجمين في الجرد العالي ولا تزال إحدى المناطق تعرف حتى اليوم باسم “برك الدم” في إشارة إلى تلك الأحداث.

 وقد حمل النازحون من أهل حريصا معهم اسم موطنهم الأصلي وعندما كان سكان المنطقة يسألون عن الوافدين الجدد القاطنين على تلة الرويس كان الجواب يأتيهم باختصار أنهم “أهل حريصا” القادمون من تنورين فتَحَوَّل الاسم تدريجيًّا إلى تسمية التلة التي أصبحت تعرف لاحقًا بحريصا.. وبمرور الزمن ترسَّخ الاسم جغرافيًّا قبل أن يشهد مطلع القرن العشرين محطة مفصلية مع إنشاء مزار سيَّدة لبنان… واليوم تجمع بلدية واحدة بلدتين هما درعون وحاريصا.

ثالثًا: ولادة مزار سيدة لبنان

عام 1904 اشترى البطريرك الطوباوي الياس الحويك مع السفير البابوي آنذاك من فرنسيس يعقوب يونس قطعة أرض في منطقة الصخرة على تلة الرُّوَيْس لإقامة تمثال السَيِّدة العذراء، وبهذا تحوَّلت المنطقة تدريجيًّا إلى أهم مركز للحج المسيحي في لبنان، ثم أُنشِئَت لاحقًا البازيليك والمنشآت الدينية والسياحية التي جعلت من حريصا مقصدًا عالميًّا.

إشارة الى ان جد فرنسيس يونس كان قد وفدَ من تنورين الى تلة الرويس وإلى أن عملية البيع هذه التي قام بها فرنسيس بمبلغ 50 ليرة عثمانية مدوَّنة بموجب صك مؤرَّخ في 21 حزيران 1904. 

واليوم أصبحت حريصا رمزًا للسياحة الدينية في لبنان بفضل موقعها المطل على البحر والبنية التحتية المتطوِّرة ووسائل النقل السياحي وفي مقدِّمتها التلفريك الذي يربطها بمدينة جونيه فضلًا عن قربها من بكركي والسفارة البابوية والكثير من الأديرة والكنائس بدءًا من غوسطا.

رابعًا: تنورين، كنز ديني وطبيعي ينتظر الاستثمار:

في المقابل، تمتلك تنورين مقوِّمات مختلفة يجتمع فيها الإرث الديني مع الطبيعة الجبلية الفريدة، وهي تضم:

١- الموقع التاريخي لكنيسة سيِّدة حريصا.

٢- محمية غابة أرز تنورين، وهي إحدى أهم المحميَّات الطبيعية في لبنان.

٣- وادي عين الراحة الغني بمغاور النُّساك والأديرة القديمة والذي يُشابه وادي قنوبين ويُجاوره.

٤- جبال شاهقة تغطيها الثلوج شتاءً وتتحوَّل صيفًا إلى مقصد لِمُحبِّي رياضات المَشي والطيران الشراعي والسياحة البيئية.

٥- بيئة زراعية غنيَّة بالمياه العذبة والينابيع والأراضي الخصبة.

٦- إحدى أهم غابة لزَّاب في جبال لبنان.

٧- بالوع بعتارة في بلعا ويُشَكل المعلم الطبيعي الأهم في الشرق الأوسط.

٨- وادي تنورين، يجري نهر الجوز وهو من المعالم الطبيعية الأكثر جمالاً في جبال لبنان، مع حديقة فسيحة للغزلان على حافة النهر.

٩- هذا، ويُحيط بتنورين عدد من القرى والبلدات التاريخية والفريدة من نوعها بدورها الديني والأثري والسياحي والطبيعة الخلابة، حيث تقع تنورين في أعالي قضاء البترون وهي تفصل بين محافظتي جبل لبنان والشمال، من ناحية، والشمال والبقاع من ناحية أخرى، وهي تُعَدُّ من القلاع المارونية التاريخية، وقد انتشر أبناؤها في سائر المناطق اللبنانية وأصقاع الأرض، مما يدل على انفتاحهم على رغم ضيق العيش في الجبال وقساوة المناخ والطبيعة.

إشارة إلى أن حي حريصا في تنورين يٌشكل امتدادًا لوادي عين الراحة ووادي تنورين ومجرى نهر الجوز، وتقع فوقه “طريق الشام” التي كانت تشكل طريق القوافل القادمة من السواحل إلى البقاع والعكس صحيح أيضًا.

وعلى رغم كل هذه المقوِّمات بقي الموقع بعيدًا من خارطة السياحة الدينية لسنوات طويلة نتيجة ضعف البُنية التحتية وبُعده عن العاصمة وتأثر المنطقة بالحرب اللبنانية، إضافة إلى غياب التنمية ومشاريع الإستثمار السياحي والمدني عمومًا.

خامسًا: سياحة دينية نموذجان مختلفان.

تعكس المقارنة بين “حريصا” في كسروان و”حريصا” تنورين نموذجين مختلفين للسياحة الدينية في لبنان، فالأولى تمثل نموذج المزار الديني المتكامل حيث تتوافر الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والخدمات الدينية مما يجعلها تستقبل أعدادًا كبيرة من الحجاج والسياح على مدار العام.

أما “حريصا” تنورين فتملك فرصة لبناء تجربة مختلفة تقوم على الدَّمج بين الحج الديني والسياحة البيئية والجبلية، حيث سيعيش الزائر تجربة روحية في موقع تاريخي، ثم ينتقل إلى استكشاف غابة الأرز والأودية والقرى التراثية وهو نموذج بات مطلوبًا ومرغوبًا عالميًّا من ضمن مفهوم السياحة المستدامة.

ومن الأفكار المتداولة: إنشاء مزار جديد لِسَيِّدة حريصا في محيط الموقع التاريخي قرب غابةة أرز تنورين، بما يُعيد الاعتبار إلى المكان الذي ارتبطت به الروايات التاريخية لاسم حريصا.

خاتمة: بين التاريخ والمستقبل

تكشف قصة “حريصا” أن أسماء الأماكن ليست مجرَّد تسميات جغرافية بل ذاكرة جماعية تنتقل مع الناس وتحفظ تاريخهم عبر الأجيال، وإذا كانت حريصا في كسروان قد أصبحت أحد أشهر المزارات الدينية في الشرق الأوسط فإن حريصا في تنورين ما زالت تحتفظ بجذور الحكاية وتنتظر مشروعًا يُعيد إحياء مكانتها لتتحول من موقع تاريخي شبه مجهول إلى وجهة دينية وسياحية تكمل المشهد اللبناني وتضيف إليه بُعدًا جديدًا يجمع بين ثلاثية: الإيمان والتراث والطبيعة.

"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية
"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية 20
"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية
"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية 21
"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية
"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية 22
"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية
"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية 23
"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية
"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية 24
"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية
"سيدة حريصا"... من تنورين إلى كسروان، هكذا انتقلت الحكاية وصنعت أحد أشهر المزارات الدينية 25