عاد ملف “الأجواء المفتوحة” في لبنان إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي، بعدما تحوّلت أسعار تذاكر السفر إلى عبء ثقيل على اللبنانيين والمغتربين، في ظل استمرار هيمنة شركة “الميدل إيست” على الجزء الأكبر من حركة الطيران في مطار رفيق الحريري الدولي. ومع تصاعد المطالب الشعبية بفتح السوق أمام شركات جديدة، يطرح اللبنانيون سؤالاً أساسياً: هل حان وقت كسر الاحتكار وخفض أسعار السفر فعلياً؟
خلال السنوات الماضية، دفع اللبنانيون واحداً من أعلى أسعار بطاقات السفر في المنطقة، إذ وصلت بعض الرحلات إلى أوروبا والخليج إلى أرقام تفوق بشكل كبير أسعار الرحلات نفسها انطلاقاً من مطارات عربية مجاورة. هذا الواقع دفع خبراء اقتصاديين وناشطين في قطاع السياحة إلى المطالبة بتطبيق سياسة “الأجواء المفتوحة”، بما يسمح بدخول شركات طيران إضافية، وخصوصاً الشركات منخفضة الكلفة التي يمكن أن تغيّر معادلة الأسعار بالكامل.
وتشير تقديرات العاملين في قطاع الطيران إلى أن فتح الأجواء أمام المنافسة قد يؤدي إلى انخفاض أسعار التذاكر بنسبة تتراوح بين 20 و35 في المئة على عدد كبير من الخطوط، ولا سيما الرحلات إلى باريس، إسطنبول، دبي، لارنكا، أثينا وعدد من العواصم الخليجية والأوروبية. فالمنافسة وحدها كفيلة بإعادة التوازن إلى السوق، بعدما بقي المسافر اللبناني لسنوات أسير أسعار مرتفعة وخيارات محدودة.
وفي حال تطبيق سياسة الأجواء المفتوحة بشكل جدي، فإن شركات عديدة مرشحة لتوسيع نشاطها في لبنان، أبرزها شركات خليجية وأوروبية منخفضة الكلفة، إضافة إلى شركات إقليمية قادرة على تشغيل رحلات بأسعار تقل كثيراً عن الأسعار الحالية. كما أن دخول شركات جديدة سيخلق حركة سياحية وتجارية أكبر، ويعيد ربط لبنان بأسواق كانت شبه معزولة بسبب ارتفاع كلفة السفر.
في المقابل، يرى مدافعون عن “الميدل إيست” أن الشركة لعبت دوراً وطنياً أساسياً خلال الحروب والأزمات، وحافظت على استمرارية المطار عندما علّقت شركات عالمية رحلاتها إلى بيروت. لكن هذا الدور، بحسب المطالبين بالأجواء المفتوحة، لا يجب أن يتحول إلى مبرر دائم لبقاء المنافسة محدودة، خصوصاً أن المواطن اللبناني يدفع الثمن مباشرة من قدرته الشرائية ومن حقه الطبيعي بالسفر بأسعار عادلة.
اقتصادياً، من الطبيعي أن تتأثر أرباح “الميدل إيست” مع فتح السوق. فالمنافسة ستجبر الشركة على خفض الأسعار وتقليص هوامش الربح، خصوصاً على الخطوط الأكثر مردودية نحو أوروبا والخليج. إلا أن خبراء يعتبرون أن أي شركة قوية قادرة على التطور داخل سوق تنافسية، لا داخل بيئة شبه احتكارية.
المشكلة الأساسية اليوم لم تعد تقنية، بل سياسية. فلبنان يحتاج إلى قرار واضح بإنهاء القيود غير المعلنة على حركة الطيران، وتطوير البنية التحتية للمطار، وتخفيف الرسوم والكلفة التشغيلية. عندها فقط يمكن للبناني أن يشعر بأن السفر لم يعد امتيازاً للأثرياء، بل حقاً طبيعياً متاحاً للجميع.