لم يكن الأمر بحاجة لأكثر من سطرين في بيان مشترك لنتنياهو وكاتس. لم تكن هناك حاجة لغزو بري، ولا لآلاف الصواريخ الدقيقة. مجرد الموافقة على قصف بيروت، كان كفيلاً بإحداث زلزال بشري اعتادت عليه في السنوات الأخيرة الضاحية الجنوبية لبيروت. في لحظات، تحولت “القلعة المنيعة” و”عاصمة المقاومة” إلى مدينة أشباح، يهرول أهلها في كل اتجاه، تاركين خلفهم جنى أعمارهم، والأهم تاركين خلفهم أوهاماً عاشوا عليها لعقود.
هذا المشهد السريالي للنزوح الجماعي المذعور، لا يمثل انكساراً عسكرياً فحسب، بل هو الانهيار الأخلاقي والمعنوي الأكبر لمشروع “حزب الله” برمته.
الإفراغ الكبير: حين سقطت الهيبة بخبر
أي ذلٍ هذا الذي يعيشه من صُدّع رؤوسهم بشعارات “ما بعد بعد”؟ بيان واحد من قادة إسرائيل، انصاع له مئات الآلاف، ليس حباً بالإسرائيلي او ايمانًا بصحة كلامه، بل كفراً بمن ادعى حمايتهم.
- تبخر “الردع” المزعوم: أين هو “توازن الرعب”؟ أين هي الصواريخ التي كانت ستحمي الحمى؟ لقد ثبت بالوجه الشرعي والقاطع أن كل تلك الترسانة لم تكن سوى أداة للاستقواء على الداخل اللبناني، وسلاحاً للمساومة الإقليمية، وحين حقت الحقيقة، لم تحمِ طفلاً واحداً في حارة حريك.
- الانصياع للأمر الواقع: النزوح الفوري بناءً على أمر الإسرائيلي هو اعتراف ضمني وهزيمة نفسية نكراء. الشعب في الضاحية يعرف الآن، يقيناً، من هو القوي فعلياً، ومن هو الذي يبيع الأوهام والانتصارات الإلهية الزائفة بينما هو عاجز عن تأمين ممر آمن لجمهوره.
الخديعة الكبرى: قادة في المحاصن وشعب في العراء
بينما تغص شوارع بيروت ومداخلها بسيارات النازحين العالقة، وببؤس العائلات التي تفترش الطرقات، أين هم قادة “المسيرة”؟
- أبطال الخنادق: يقبع القادة والكوادر الآمرون بالصمود والمواجهة في خنادقهم المحصنة تحت الأرض، مؤمنين بأنفسهم وبأكفانهم، بينما يُترك المواطن البسيط، الذي طُلب منه أن يكون “بيئة حاضنة” و”درعاً بشرياً”، ليواجه سياط التهجير والذل وحيداً.
- المتاجرة بالبؤس: إن ترك الناس يواجهون سيف الوقت والإخلاء الفوضوي هو قمة اللا مسؤولية والاجرام بحق هذا الجمهور. لا خطط طوارئ، لا مأوى بديل، لا توجيهات أمنية.. فقط اذهبوا واجهوا مصيركم، فنحن مشغولون بـ “المعركة الكبرى”.
نهاية أسطورة “البيئة الحاضنة”
إن هذا الهروب الجماعي بمجرد صدور الوعيد، هو إعلان وفاة لعقد اجتماعي وسياسي فرضته الميليشيا بقوة السلاح والترهيب الفكري.
- كفرٌ بالمشروع: النازح اليوم لا يهرب فقط من القصف، بل يهرب من كذبة صدقها طويلاً. في عيون الأطفال المذعورين والنساء المهجرات، تقرأ حقيقة واحدة: “لقد ورطتمونا وتركتمونا”.
- سقوط القدسية: الضاحية لم تعد مقدسة، والشعارات لم تعد تطعم خبزاً أو تؤمن سقفاً. لقد دمر “حزب الله” بصبيانيته السياسية وارتهانه لإيران آخر معاقل الأمان لجمهوره، وحولهم إلى لاجئين في وطنهم، ينتظرون عطف المناطق.
في الخلاصة، ما جرى في الضاحية عقب بيان نتنياهو-كاتس هو كشف حساب تاريخي. لقد ثبت أن قوة “حزب الله” هي مجرد نمر من ورق أمام الاختبار الحقيقي لحماية الناس. إن إفراغ الضاحية بكلمة من تل أبيب هو الهزيمة النكراء التي لا يمكن تجميلها بأي خطاب خطابي. اللبنانيون في الضاحية اليوم يدفعون ثمن خضوعهم لميليشيا صادرت قرارهم وصادرت أمانهم، وتركتم في النهاية، نازحين عراة في مواجهة مصير قرره عدوهم، وسط غياب تام لمن ادعى يوماً أنه “سيد” قرارهم وحاميهم.
الكاتب: أسعد نمّور