يوليو 30, 2026
الرئيسية مقالات خاصة

خاص- النفايات تفضح الدولة… ورؤية افرام تضع الحل حيث يعجز الآخرون

خاص- النفايات تفضح الدولة… ورؤية افرام تضع الحل حيث يعجز الآخرون

في كل مرة يقترب فيها أحد المطامر من الامتلاء، تستفيق الدولة اللبنانية على أزمة جديدة، وكأن النفايات كارثة طبيعية لا نتيجة مباشرة لعقود من الفشل السياسي والإداري. الحكومات تتبدل، والوزراء يتغيرون، واللجان تجتمع، لكن النتيجة تبقى واحدة: جبال من النفايات، ومطامر تتوسع، وبيئة تدفع الثمن، فيما يدفع المواطن من صحته وماله وكرامته.

الأخطر أن السلطة لا تزال تتعامل مع النفايات بمنطق ترحيل الأزمة لا حلها. فبدلاً من بناء سياسة وطنية متكاملة، يجري البحث في كل مرة عن مطمر جديد أو تمديد عمر مطمر قائم، وكأن الطمر قدر لبنان المحتوم. أما الفرز من المصدر، والتدوير، والتسبيخ، وإنتاج الطاقة من النفايات، فلا تزال في معظم الأحيان مجرد شعارات في المؤتمرات والبيانات الرسمية.

في هذا المشهد القاتم، يبرز طرح النائب نعمة افرام باعتباره واحداً من المشاريع القليلة التي تنطلق من رؤية تنموية متكاملة لا من حسابات سياسية ضيقة. فالرجل لا يكتفي بانتقاد الواقع، بل يقدم نموذجاً عملياً يستند إلى خبرة ميدانية وتجارب أثبتت أن الحلول موجودة عندما تتوافر الإرادة.

وترتكز خطة افرام على وقف طمر النفايات العضوية وتحويلها إلى سماد عبر معامل التسبيخ، والتوسع في إعادة التدوير، وإنتاج الوقود البديل RDF من النفايات غير القابلة للتدوير، بحيث يستخدم في مصانع الترابة والصناعات الثقيلة بدلاً من جزء من الفحم والفيول. هذا النموذج مطبق في عشرات الدول، لأنه يحول النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي، ويخفض كمية النفايات التي تحتاج إلى الطمر إلى نحو 15 في المئة فقط.

ولعل ما يمنح هذه الرؤية صدقية إضافية أنها لا تقوم على التنظير. فقد دعم افرام إنشاء معمل غوسطا لمعالجة النفايات، وهو مشروع أطلق أساساً لخدمة خمس قرى في كسروان قبل أن تتوسع رؤيته ليصبح مركزاً لمعالجة نفايات القضاء، مع اعتماد الفرز والتسبيخ وإنتاج الوقود البديل. هذه التجربة أثبتت أن البلديات، عندما تمتلك الإدارة السليمة والشراكة مع القطاع الخاص، تستطيع تحقيق نتائج أفضل بكثير من الإدارة المركزية التي استنزفت الأموال وأنتجت الأزمات.

إن تقنية RDF ليست مغامرة، بل خيار بيئي واقتصادي معتمد عالمياً. فبعد فرز النفايات وتجفيفها ومعالجتها، تتحول إلى وقود عالي القيمة الحرارية، يخفف استيراد المحروقات ويقلص حجم المطامر ويخفض الانبعاثات، شرط الالتزام بالمعايير البيئية الصارمة. لكن المشكلة في لبنان ليست في غياب التكنولوجيا، بل في غياب القرار السياسي القادر على كسر منظومة المصالح التي ازدهرت على حساب ملف النفايات.

لقد أنفق اللبنانيون خلال السنوات الماضية مئات ملايين الدولارات على إدارة فاشلة، فيما بقيت الحلول المستدامة أسيرة التجاذبات والصفقات. ولهذا، فإن استمرار النهج الحالي يعني أن الانفجار البيئي المقبل ليس احتمالاً، بل مسألة وقت.

اليوم، لا يحتاج لبنان إلى المزيد من اللجان ولا إلى المزيد من الخطابات. يحتاج إلى قرار سياسي شجاع بتعميم النماذج الناجحة، والاستفادة من التجارب التي أثبتت فعاليتها، ومن بينها الرؤية التي طرحها نعمة افرام، القائمة على تحويل النفايات إلى مورد اقتصادي بدلاً من إبقائها قنبلة بيئية متنقلة. فالدول تبنى بالحلول، لا بإدارة الأزمات، وبالجرأة على الإصلاح، لا بالخضوع لمنظومة الفشل التي أوصلت لبنان إلى هذا الدرك.