في رواية أحدب نوتردام، لم تكن إزميرالدا سوى ضحية مدينة احتاجتها ثم قررت التخلص منها. أحبوها حين احتاجوا إلى جمالها ورقصها وحضورها، ثم علّقوها على حبل الإعدام عندما صار وجودها عبئاً على توازناتهم وخوفهم ومصالحهم. هكذا يفعل التاريخ غالباً: يستعمل الشخصيات حتى اللحظة الأخيرة ثم يتركها تواجه مصيرها وحدها.
في السياسة اللبنانية، يبدو نبيه بري قريباً من هذا المشهد، لكن بفارق أساسي: بري ليس ببراءة إزميرالدا، بل بدهاء سياسي هائل صنع منه على مدى عقود صمام أمان للنظام اللبناني وممرّاً إلزامياً لكل التسويات. الرجل الذي أمسك بأوراق الداخل والخارج، ولعب دائماً “أجر بالبور وأجر بالفلاحة”، يعرف كيف يبقى داخل اللعبة مهما تبدّلت التحالفات والخرائط.
لكن دهاء بري نفسه بات يخونه. فالمعادلات التي أتقن إدارتها تتغيّر بسرعة، وهو يبدو اليوم مهدداً بالخروج التدريجي من المعادلة إذا استمر في الرقص على الحبال. لا يكفي أن يعارض كلام نعيم قاسم بشأن إسقاط الحكومة، لأن الأزمة لم تعد أزمة حكومة فقط، بل أزمة خيارات كاملة. المطلوب أكثر من تسجيل اعتراض موضعي؛ المطلوب إعادة تموضع حقيقية توقف الرهان على أن التسوية الأميركية – الإيرانية ستكون القشة التي تمنع الغرق اللبناني.
بري يتحرك ضمن هوامش مسموح بها، لكنه يعرف جيداً أن هناك “قدس أقداس” لا يستطيع الاقتراب منه: سلاح الحزب. لذلك بقي طوال السنوات الماضية يدير التوازن لا المواجهة، ويتقن تدوير الزوايا لا كسرها. غير أن المشهد تغيّر. الجنوب الذي جُيّرت له أموال الدولة ومشاريعها وولاءاتها، يراه اليوم يُدمَّر بشكل منهجي، فيما تتآكل قدرة الوسطاء على حماية ما تبقّى من توازنات.
المشكلة أن التاريخ لا ينتظر كثيراً. وعندما يشعر بأن الدور انتهى، فإنه لا يفاوض أحداً قبل إصدار الحكم.