تتسارع التطورات السياسية والميدانية في لبنان والمنطقة لتعكس حجم الانقسام الحاد والضغوط المتبادلة بين القوى المحلية والإقليمية، حيث تداخلت المساعي الدبلوماسية الرسمية مع التحذيرات الدينية والسياسية من مغبة الانزلاق نحو صراعات داخلية أو تسويات منقوصة. وفي هذا السياق، جاءت الرسالة المباشرة والمقتضبة التي وجهها المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، لتضع النقاط على الحروف بخصوص التوازنات الداخلية المعقدة، مشدداً على أن المسؤولية الوطنية الأولى والملحة في هذه المرحلة الحساسة تكمن في حماية السلم الأهلي وصيانة العقد الوطني الذي يجمع اللبنانيين، ومحذراً من أي مواقف أو إجراءات رسمية قد تؤدي إلى إضرام النار في هذا العقد وتفجير الاستقرار الداخلي. وتأتي هذه الصرخة التحذيرية من المفتي قبلان لتتقاطع مباشرة مع الحراك الدبلوماسي الرفيع الذي قاده الرئيس عون بعد ظهر اليوم، والمتمثل في الاتصال الهاتفي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والذي ركز على سبل التهدئة ودعم سيادة لبنان وفتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية، مما يظهر محاولة الرئاسة تأمين شبكة أمان عربية واقتصادية توازن الضغوط الراهنة.
وفي المقابل، يعكس الشارع السياسي اللبناني قراءات متباينة ومتباعدة كلياً لكيفية إدارة هذه الأزمة والتعامل مع الإملاءات الخارجية؛ إذ يقود رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل، مدفوعاً بلقاءاته مع الموفد الفرنسي جان إيف لودريان، هجوماً سياسياً يطالب فيه الدولة بمزيد من الحزم، واضعاً حزب الله أمام خيار حتمي بين الانضواء تحت كنف الشرعية والدستور أو الاستمرار في التبعية للمشروع الإيراني التي تكبّد البلاد أكلافاً باهظة. هذا المنطق الصارم يجابهه تشنج ورفض مطلق من جانب قيادتي حركة أمل وحزب الله، اللذين عبّرا في اجتماعهما بالبقاع عن رفضهما القاطع لأي صيغة من صيغ التفاوض المباشر مع إسرائيل وتمسكهما بسلاح المقاومة كضمانة للتحرير والإعمار، بالتزامن مع مطالبة الدولة بالالتفات لملف النازحين. ويتزامن هذا التجاذب الداخلي مع هواجس حقيقية أبداها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، الذي حذر من الغموض والتناقض في البيان الأميركي اللبناني المشترك، خشية الانجرار إلى مسار تفاوضي عقيم يشبه اتفاق أوسلو يضيع فيه الجنوب وأهله، وسط بيئة إقليمية مشتعلة تشهد تعنتاً من الحرس الثوري الإيراني، وإنذارات أميركية حاسمة لطهران، وتهديدات إسرائيلية متواصلة بتوسيع العمليات البرية وضرب البنى التحتية خلف الخط الأصفر وصولاً إلى بيروت.

