منذ اتفاق القاهرة عام 1969، مروراً بالحروب الأهلية والوصايات والاحتلالات والسلاح الخارج عن الدولة، عاش لبنان عقوداً من التيه الوطني. أما اليوم، فيبدو أن رئيس الجمهورية جوزيف عون يحاول أن يضع خطاً فاصلاً بين زمنين: زمن كانت فيه الدولة ملحقاً بمشاريع الآخرين، وزمن يريدها فيه صاحبة القرار والسيادة والمصير.
لم يكن الأبرز في مقابلة جوزيف عون مع شبكة CNN والإعلامية المخضرمة كريستيان أمانبور الشكل الذي ظهر فيه الرئيس اللبناني، رغم أن حضوره عكس ثقةً بالنفس وقناعةً بالمسار وتصميماً على المضي فيه. الأهم كان المضمون السياسي الذي حملته المقابلة، والرسائل التي خرجت من بيروت إلى العالم.
بإنكليزية رشيقة وواضحة، خاطب عون العقول لا الغرائز. تحدث كرئيس دولة لا كزعيم محور، وكرجل يسعى إلى نقل لبنان من منطق الجبهات المفتوحة إلى منطق الدولة المستقرة. بدا وكأنه يسدل الستار على مرحلة طويلة من النفوذ الإيراني الذي حوّل لبنان إلى ساحة اشتباك إقليمية أكثر منه وطناً لأبنائه.
المعادلة التي طرحها عون يمكن اختصارها على النحو الآتي: لا سيادة مع السلاح الخارج عن الدولة، ولا استقرار مع ازدواجية القرار، ولا سلام من دون احتكار الدولة لحق الحرب والسلم. إنها معادلة الدولة في مواجهة الدويلة، والمؤسسات في مواجهة الميليشيا، والمصلحة الوطنية في مواجهة الحسابات الإقليمية.
العبور إلى السلام الذي يتحدث عنه جوزيف عون ليس استسلاماً ولا تسويةً على حساب الحقوق الوطنية، بل انتقال من منطق الحروب الدائمة إلى منطق الدولة القادرة. سلام يقوم على سيادة كاملة وقرار واحد وجيش واحد وعلاقات طبيعية مع العالم العربي والمجتمع الدولي. إنه سلام يحمي لبنان من أن يكون صندوق بريد للصراعات، ويعيده وطناً للحياة والاستثمار والازدهار بدل أن يبقى ساحة للمواجهات والدمار.
وفي موازاة رسائله إلى الداخل والخارج، وجّه جوزيف عون رسالة مزدوجة إلى إسرائيل وحزب الله معاً. قال، من موقع العسكري الذي خبر الحروب وكلفتها البشرية والسياسية، إن الحروب لا تنتج حلولاً دائمة، وإن التفاوض بالدماء ليس استراتيجية بل مأساة. فبعد سنوات من القتل والدمار، أثبتت الوقائع أن ما تعجز عنه البنادق تحققه السياسة، وأن السلام العادل أقل كلفة من الحروب العبثية وأكثر قدرة على حماية الأوطان.
الرسالة إلى حزب الله ونعيم قاسم كانت واضحة: اللبنانيون لا يُختصرون بحزب، والدولة لا تُدار من خارج مؤسساتها. أما الرسالة الأشد وقعاً فكانت موجهة إلى الحرس الثوري الإيراني: انتهى زمن الوصاية على القرار اللبناني. ممنوع التدخل في خيارات الدولة، وممنوع رسم الخطوط الحمر، وممنوع تحويل لبنان مرة جديدة إلى منصة لخدمة مشاريع الآخرين.
سبق لجوزيف عون أن قال كلاماً مشابهاً في لقاءاته المباشرة مع المسؤولين الإيرانيين، لكن الفرق اليوم أنه قاله أمام جمهور عالمي يمتد من واشنطن إلى باريس، ومن الرياض إلى بيروت، وصولاً إلى طهران نفسها.
المعادلة الاستراتيجية التي يرسمها الرئيس بسيطة لكنها مصيرية: دولة قوية تساوي استقراراً واستثماراً وازدهاراً، فيما استمرار السلاح خارج الشرعية يساوي عزلةً وانهياراً وحروباً متكررة. وبين المعادلتين يقف لبنان عند مفترق تاريخي. فإما دولة تمتلك قرارها الحر وتبني علاقاتها على المصالح الوطنية، وإما ساحة مفتوحة لحروب الآخرين ونفوذهم.
جوزيف عون يقود اليوم محاولة جدية لإخراج البلاد من زمن المحاور إلى زمن الدولة. إنها رحلة محفوفة بالمخاطر، لكنها تستحق أن تُخاض. فإما أن تصل سفينة لبنان إلى شاطئ السلام والسيادة، وإما أن تنجح إيران مرة أخرى في تحويلها إلى حطام على أمواج صراعاتها الإقليمية.
المسائية_جوزيف عون: العبور بلبنان إلى السلام

