بقلم: العقيد احتياط عاميت يغور
المعركة على “اليوم التالي” للحرب الدائرة خلف الكواليس في إيران قد بدأت بالفعل. فإغلاق مضيق باب المندب قد يتحول إلى سلاح ذي حدين، بينما تتحرك تركيا بنشاط في المشهد.
صرّح الرئيس السوري أحمد الشرع أمس بأن أي اضطراب في البحر الأحمر أو في مضيق هرمز يجعل من سوريا ملاذاً آمناً لسلاسل الإمداد بفضل موقعها الاستراتيجي. وقبل ذلك بساعات أعلن وزير النقل التركي أنه تم التوصل إلى تفاهمات بين تركيا والعراق وقطر والإمارات بشأن نموذج تمويل مشروع يربط الخليج العربي بأوروبا عبر تركيا، من خلال سكك الحديد والبنية التحتية المتجهة شمالاً، وأنه يجري حالياً استكمال الإغلاق المالي تمهيداً لبدء التنفيذ.
تشير هذه التصريحات، التي يبدو أنها منسقة، إلى جزء من الصراع الدائر خلف الكواليس لمحاولة استغلال تداعيات المواجهة مع إيران منذ الآن.
لماذا الآن؟
في نهاية الأسبوع، وبعد تردد دام شهراً، دخل الحوثيون أيضاً على خط المواجهة. جوهر الرسالة الإيرانية واضح: حتى لو نجحتم في فتح مضيق هرمز، فقد تضطرون للتعامل مع إغلاق مضيق باب المندب في جنوب البحر الأحمر.
يمر عبر مضيق هرمز نحو 21 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب 25% من تجارة النفط البحرية العالمية، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، خاصة من قطر. ولا توجد تقريباً بدائل برية لنقل هذا الغاز، كما تعتمد الكويت وقطر والبحرين بشكل كامل على المرور عبر المضيق.
أما عبر باب المندب فيمر نحو 8.8 مليون برميل يومياً، أي أقل من نصف الكمية التي تمر عبر هرمز، لكن الأهمية هنا تتعلق بسلاسل توريد السلع الاستهلاكية، إذ يمر عبره ما بين 10% إلى 12% من التجارة البحرية العالمية. إغلاقه يجبر السفن على الالتفاف حول أفريقيا، ما يضيف نحو عشرة أيام إلى مدة الرحلة ويرفع تكاليف التأمين والشحن، لكنه لا يوقف الإمدادات بالكامل. لذلك فإن التهديد بإغلاق باب المندب لا يعادل في تأثيره إغلاق مضيق هرمز.
مع ذلك، فإن محاولة الحوثيين إغلاق باب المندب بالصواريخ قد تساهم بشكل مفارِق في تسريع الترتيبات لمرحلة “اليوم التالي”. فخط أنابيب النفط السعودي “بترولاين” (شرق-غرب) يعد أهم أصل استراتيجي لدى السعودية لتجاوز أي حصار طاقي. وفي حال إغلاق المضيقين معاً، يتحول هذا الخط من جسر لوجستي إلى “خط إنقاذ عالمي”، لأنه يسمح للسعودية بتصدير النفط إلى أوروبا والولايات المتحدة دون المرور عبر هرمز.
يمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر من حقول بقيق شرقاً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. ومن هناك تستطيع ناقلات النفط التوجه شمالاً إلى قناة السويس أو تفريغ النفط في خط سوميد المصري الذي ينقله إلى البحر المتوسط.
وبالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة، فإن تمديد البنية التحتية من ينبع شمالاً نحو إيلات يسمح بضخ مباشر إلى خط إيلات-عسقلان، ما يخلق ممراً برياً كاملاً من الخليج العربي إلى البحر المتوسط ومنه إلى أوروبا. وفي هذه المرحلة لا يستطيع خط بترولاين أن يحل محل مضيق هرمز لأنه ينقل نحو 30% فقط من الكميات التي تمر عبره. كما يتم طرح فكرة إضافة طبقة بنية تحتية موازية لنقل الغاز الطبيعي المسال والهيدروجين والألياف البصرية بكميات تجارية.
وهذا بالتحديد ما يتحدث عنه مشروع IMEC، أي إيجاد مسار بري بديل لطرق النقل البحرية عبر أراضي السعودية. ويبدو أن احتمال إغلاق باب المندب قد يوضح أهمية المشروع لدول الخليج ويشجع انضمام دول إضافية إليه ويعجّل بتنفيذه، وهي البنية التي تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل من خلالها إلى بناء النظام الإقليمي الجديد.
بوابة العبور إلى أوروبا
في المقابل، تسعى تركيا إلى جذب دول المنطقة لدعم تمديد البنية التحتية شمالاً عبر الأردن ثم سوريا وصولاً إلى تركيا كبوابة رئيسية نحو أوروبا، مع تجاوز إسرائيل ومنعها من أن تصبح نقطة عبور رئيسية إلى القارة الأوروبية.
تصريحات دونالد ترامب الأخيرة بشأن السعودية ودعوته لولي العهد بأن “الوقت قد حان” ترتبط أساساً بهذا الربط البنيوي. إذ يرى ترامب أن التطبيع الرسمي هو “الختم” الذي يسمح بتحويل مشروع السكك الحديدية والبنية التحتية العابرة لليابسة من مجرد مخطط إلى واقع. كما يسعى للضغط على السعودية لتفضيل الممر الغربي (IMEC) على الاستثمار في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، في إشارة إلى أن دول الخليج تقف في المعسكر الأمريكي.
وهكذا، بينما ينشغل الاهتمام باليد الأولى بالمواجهة مع إيران واحتمال إغلاق باب المندب، من المهم الانتباه إلى اليد الأخرى التي تعمل بالتوازي لخلق فرص جديدة لمرحلة ما بعد الحرب، في ظل محاولة معسكر النظام القديم بقيادة تركيا إقصاء إسرائيل من المعادلة.