لبنان بين السيادة المنقوصة وصراعات الهيمنة

بقلم هلا ابونادر القسيس

منذ أكثر من أربعة عقود، يرفع اللبنانيون مطلبًا واضحًا لا لبس فيه: قيام دولة فعلية تحتكر قرار السلم والحرب، وتحصر السلاح ضمن مؤسساتها الشرعية. هذا المطلب ليس تفصيلًا سياسيًا، بل هو حجر الأساس لأي نظام ديمقراطي يسعى إلى حماية سيادته، وصون دستوره، وضمان استقراره الداخلي.

غير أنّ هذا الطموح يصطدم بواقع مركّب، حيث تتقاطع العوامل الداخلية مع صراعات إقليمية ودولية، تجعل من لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. فوجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة، وتداخل النفوذ الخارجي، أدّيا إلى إضعاف القرار الوطني، وتعريض البلاد لدورات متكررة من التوتر والانفجار.

في الوقت نفسه، لا يمكن قراءة ما يجري بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتشابك مصالح قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، مع أدوار قوى إقليمية كـ إيران ودول الخليج العربي. هذا التشابك لا يقتصر على السياسة، بل يمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن، ما يجعل أي مواجهة تتجاوز حدود الجغرافيا لتصبح صراعًا على النفوذ والقدرات.

ضمن هذا السياق، تتكرر مشاهد التدمير والتهجير، والضغط على البنى المدنية في لبنان، بما في ذلك المرافق التعليمية والصحية، واستهداف الطواقم الطبية والإسعافية والإعلامية. وهو ما يهدد ليس فقط الأمن المباشر، بل أيضًا مستقبل المجتمعات وقدرتها على الصمود. كما تتزايد المخاوف من تغييرات ديموغرافية قسرية، ومن تآكل مقومات الحياة الأساسية—الغذائية والصحية والمعيشية—خاصة لدى من يصرّون على البقاء في أرضهم. وهنا، تتحول إرادة الصمود نفسها إلى عبء ثقيل، حيث يصبح ثمنها الحياة ومستقبل الأجيال، في شكل من أشكال الهيمنة غير المباشرة على حرية القرار والمصير.

من ناحية أخرى، يُطرح الصراع مع إيران ضمن سياق أوسع من التوتر مع الولايات المتحدة، حيث تُقدَّم بعض السياسات تحت عناوين “التحرير” أو “حماية الشعوب”. غير أن استهداف الاميركي للبنى المعرفية، من جامعات ومراكز أبحاث وتطوير، في ايران يطرح تساؤلات جدية حول الأهداف الفعلية لهذه السياسات، وما إذا كانت تتجاوز البعد السياسي إلى تقويض القدرات العلمية والتنموية, و الاستقلالية إلى حد الوصول إلى الاكتفاء الذاتي و الاستدامة بغض النظر عن الاندراج تحت الارتهان لتبعية الحصول على السلاح و القدرة الدفاعية. يقابله تهديد غير دقيق و بغير معايير للصروح العلمية الأميريكية على الأراضي في المنطقة.

في المقابل، تتصاعد الاتهامات بازدواجية المعايير الدولية، خاصة في تطبيق مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي. فبينما تُفرض قيود صارمة على بعض الدول، يتم التغاضي عن ممارسات أخرى، بما في ذلك ما يتعلق بالصراع مع إسرائيل وتداعياته على فلسطين والمنطقة. هذا التفاوت في المعايير يضعف الثقة بالنظام الدولي، ويعزز الشعور بالظلم لدى الشعوب.

أما على صعيد توازن القوى، فتبرز نماذج لدول سعت، تحت ضغط العقوبات والعزلة، إلى تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي في مجالات المعرفة والتصنيع، بما في ذلك الصناعات الدفاعية. هذا التوجه يُنظر إليه من زاويتين: كمسار نحو الاستقلال والسيادة، أو كعنصر توتر وتهديد في بيئة دولية حساسة، ما يجعله في صلب الصراع على النفوذ.

في ظل هذا الواقع، يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن للبنان أن يستعيد قراره السيادي؟
الجواب لا يكمن فقط في موازين القوى العسكرية، بل في إعادة بناء الدولة، وتعزيز مؤسساتها، على قاعدة الدستور و الوحدة الداخلية، و المواطنة، والعدالة، وسيادة القانون.

إن حماية لبنان لا تتحقق بالارتهان لمحاور، بل ببناء قدرة داخلية متماسكة، وبإعادة الاعتبار للدولة كمرجعية وحيدة. وفي عالم يتغير بسرعة، حيث تلعب التكنولوجيا—ومنها الذكاء الاصطناعي—دورًا متزايدًا في تشكيل الصراعات، تصبح المعركة أيضًا معركة وعي ومعرفة، وقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل.

وفي عالمٍ تتسارع فيه التحولات،
لن يكون البقاء للأقوى عسكريًا فقط،
بل للأكثر قدرة على بناء دولة عادلة،
ومجتمع واعٍ،
ونموذج قادر على الصمود.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق:
إما الاستمرار في دوامة الصراعات،
أو الشروع في مسار طويل وصعب نحو استعادة الدولة، وصون السيادة، وبناء مستقبل.
عندها فقط،
لا يعود لبنان ساحة…
بل يعود وطنًا.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram