في كل نقاش مالي أو موازنة جديدة، تعود الحكومة اللبنانية إلى الوصفة نفسها: رسوم إضافية وضرائب غير مباشرة تُحمَّل لملايين اللبنانيين، ولا سيما من ذوي الدخل المحدود. لكن السؤال الجوهري يبقى غائباً: لماذا لا يُفتح ملف التهرّب الضريبي؟ لماذا تبقى كل الملفات الكبرى نائمة، فيما يُصار دائماً إلى الحلّ الأسهل، أي اقتطاع ما تبقّى من مداخيل الفئات الفقيرة والمتوسطة؟ ولماذا تُترك مليارات الدولارات المهدورة خارج أي مساءلة فعلية؟
في بلد يرزح تحت واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه، تكشف الأرقام الموثّقة أن المشكلة ليست في نقص الضرائب، بل في غياب التحصيل والعدالة الضريبية. فالدولة التي تضغط على صغار الموظفين والمستهلكين، تغضّ الطرف في المقابل عن تهرّب واسع النطاق يحرم الخزينة من موارد كفيلة بتقليص العجز من دون تحميل المجتمع كلفة إضافية.
خسائر بمليارات الدولارات
وفق تقديرات صادرة عن صندوق النقد الدولي، يُقدَّر حجم التهرّب الضريبي في لبنان بما بين 4 و5 مليارات دولار سنوياً. هذا الرقم يعادل في بعض السنوات نحو 7 إلى 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة جداً مقارنة بدول ذات ظروف اقتصادية مشابهة، حيث لا تتجاوز الفجوة الضريبية عادة 1 إلى 2 في المئة من الناتج.
ولا تقتصر هذه الخسائر على ضريبة واحدة، بل تشمل الضرائب على الدخل والأرباح، والضريبة على القيمة المضافة (VAT)، والرسوم الجمركية، إضافة إلى قطاعات كاملة تعمل خارج أي تسجيل أو رقابة ضريبية.
الجمارك وVAT في صدارة التهرّب
تشير تقديرات مالية متقاطعة إلى أن التهرّب الجمركي وضريبة القيمة المضافة يشكّلان الجزء الأكبر من الخسائر، إذ تتراوح الكلفة السنوية لهذا البند وحده بين مليار و1.5 مليار دولار. ويعود ذلك إلى التهريب عبر المعابر، والتلاعب بقيم الفواتير، والتصريح الناقص عن البضائع، فضلاً عن نشاط شبكات تجارية غير نظامية.
المفارقة أن الجمارك والـVAT يُفترض أن تكونا من أكثر مصادر الإيرادات سهولة في التحصيل، ما يعني أن الخلل ليس تقنياً فقط، بل سياسي وإداري بامتياز.
اقتصاد نقدي خارج السيطرة من الأسباب الجوهرية للتهرّب الضريبي في لبنان اتساع الاقتصاد النقدي. فجزء كبير من العمليات التجارية يتم نقداً ومن دون فواتير، ما يضعها عملياً خارج أي قدرة على التتبع أو المحاسبة. وبعد انهيار القطاع المصرفي، تحوّل “الكاش” إلى القاعدة العامة، وازداد حجم الاقتصاد غير الرسمي بشكل غير مسبوق.
إلى ذلك، يبرز ضعف إنفاذ القوانين الضريبية والتدخلات السياسية التي تمنع ملاحقة كبار المتهرّبين، ما يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب ويقوّض ثقة المواطنين بالنظام الضريبي برمّته.
فجوة ضريبية مزمنة
دراسات صادرة عن المركز اللبناني للدراسات تُظهر أن لبنان يعاني فجوة ضريبية مزمنة منذ ما قبل الانهيار المالي. ففي سنوات سابقة، قُدّرت هذه الفجوة بنحو 10 في المئة من الناتج المحلي، ما يدلّ على خلل بنيوي في النظام الضريبي، تفاقم لاحقاً مع الأزمة وتراجع قدرات الدولة الرقابية.
كلفة اجتماعية وسياسية
التهرّب الضريبي ليس مسألة أرقام فحسب، بل أزمة عدالة. فخسارة أكثر من 4 مليارات دولار سنوياً تعني:
عجزاً دائماً في تمويل الخدمات الأساسية
تحميل الفئات الملتزمة ضريبياً أعباء إضافية
توسيع الفجوة بين الدولة والمجتمع
تكريس شعور عام بالغبن واللامساواة
وبدل توظيف هذه الأموال في الصحة والتعليم والبنى التحتية، تُستخدم الضرائب غير المباشرة لسدّ العجز على حساب الفقراء.
هل من خيارات أخرى؟
تجمع التقارير المالية على أن معالجة التهرّب الضريبي لا تتطلّب فرض ضرائب جديدة، بل:
توسيع الدفع الإلكتروني وتقليص الاقتصاد النقدي
ربط قواعد البيانات بين وزارة المالية والجمارك
تشديد الرقابة على المعابر الشرعية وغير الشرعية
تطبيق المحاسبة من دون استثناءات سياسية
في الخلاصة، الكارثة الضريبية في لبنان ليست قدراً. إنها نتيجة خيار سياسي واضح: استسهال الضغط على الضعفاء بدل مواجهة شبكات التهرّب الكبرى. ومن دون فتح هذا الملف، ستبقى أي سياسة مالية مجرّد تحميل إضافي لمجتمع منهك، لا إصلاحاً حقيقياً.