كتب نديم قطيش
في الكلمة الرئيسية التي ألقاها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال مؤتمر مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قدّم رؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب لتحالف أطلسي جديد، يقوم على الهوية الحضارية المشتركة، وإعادة التصنيع، وسيادة الحدود، ونظام دولي جديد تُؤسَّس قواعده على القوة الأميركية.
الخطاب لم يكن مجرّد عرض سياسي، بل حمل في طيّاته دعوة ولائحة اتهام في آنٍ واحد. فقد حمّل روبيو مرحلة ما بعد الحرب الباردة مسؤولية «أخطاء طوعية» تمثّلت في تفكيك الصناعة، وسياسات الهجرة، والارتهان للمؤسسات الدولية، داعياً إلى قلب هذه المسارات تحت قيادة أميركية مباشرة.
ورغم حدّة المضمون، جاء أسلوب روبيو أكثر دفئاً ومرونة مقارنة بخطاب نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس في ميونيخ العام الماضي، الذي اتسم بالمواجهة الصريحة وعدم السعي إلى استمالة الجمهور الأوروبي. أعاد روبيو طرح المطالب نفسها — «أنفقوا أكثر، تخلّوا عن ثقافة الشعور بالذنب، واتبعوا قيادتنا» — لكنه لفّها بلغة عاطفية وإطراء حضاري، مقدّماً الولايات المتحدة كـ«قريب قلق» لا كدائن نافد الصبر. ومع ذلك، وتحت هذا الغلاف الناعم، برزت نبرة اتهامية واضحة: أوروبا في موقع المتهم، والليبرالية ما بعد الحرب الباردة هي الجريمة، فيما تُقدَّم القوة الصلبة الأميركية بوصفها الدليل الوحيد على الفعل والإنجاز.
خمس نقاط تحليلية أساسية
1) من الإطار المؤسسي إلى الإطار الحضاري
أعاد روبيو تعريف العلاقة الأطلسية على أساس الإرث المسيحي والثقافة والأنساب المشتركة، بدلاً من النظام القائم على القواعد والمؤسسات. هذا تحوّل بلاغي عميق يبرّر انتقائية التعامل مع القانون الدولي والمؤسسات. اللافت أن الإشارات الحضارية — من دانتي إلى فرقة البيتلز، ومن المستكشفين الإيطاليين إلى المزارعين الألمان — اقتصرت على أوروبا الغربية، فيما جرى تصوير أوروبا الشرقية كمجرّد متلقٍّ للتحرير خلال الحرب الباردة، رغم كون دولها اليوم من أكثر المنفقين دفاعياً والأشد التزاماً داخل حلف شمال الأطلسي.
2) خفض مكانة التعددية لا تفكيكها
لم يدعُ روبيو إلى الانسحاب من الأمم المتحدة أو النظام متعدد الأطراف، بل اعتبره غير ذي صلة، مؤكداً أن النتائج تتحقق عبر القوة الأميركية الأحادية. هذا هو الأساس الفكري لسياسة خارجية تعاملية.
3) «التراجع خيار» كأطروحة مركزية
بتحويل قضايا التفكيك الصناعي والهجرة والطاقة إلى «أخطاء سياسية»، يقدّم روبيو سردية تبسيطية ترى أن الإرادة السياسية كفيلة بعكس المسار، متجاهلاً تعقيدات العولمة والاقتصاد السياسي الدولي.
4) مخاطبة الرأي العام الأوروبي
الخطاب موجّه للنخب الحاكمة، لكنه يخاطب أيضاً المجتمعات الأوروبية. ثيماته مناهضة الهجرة، التشكيك بالمناخ، الفخر الثقافي، واتهام النخب تتقاطع مع صعود اليمين في أوروبا، في إشارة إلى أن شركاء واشنطن الطبيعيين قد يكونون خارج المؤسسات التقليدية، مثل جورجيا ميلوني وفيكتور أوربان وحزب البديل من أجل ألمانيا.
5) الغياب المتعمّد للصين وروسيا
تجنّب روبيو تسمية الخصوم مباشرة، مستخدماً عبارات عامة مثل «منافسين وخصوم» و«أسرع سباق تسلّح في التاريخ». الهدف إبقاء التركيز على «تجديد الغرب» لا على ردّ الفعل، في إيحاء بأن الضعف الحضاري الداخلي أخطر من أي تهديد خارجي.
بهذا المعنى، يمثّل الخطاب محاولة لإعادة صياغة العلاقة الأطلسية: أقل مؤسساتية، أكثر هوياتية، وأشد اعتماداً على القوة الأميركية — خطاب ودود في الشكل، صارم في الجوهر، ويضع أوروبا أمام خيارين لا ثالث لهما: الانخراط وفق الشروط الجديدة، أو البقاء في موقع المتّهم.