كتب جهاد بزي في 16 شباط 2005، بعد يومين من اغتيال الرئيس رفيق الحريري. تعيد «آراب فايلز» نشر المقال.
لا وردة لهذا المساء.
تمشي بنا السيارة وحدها إلى ذاك الرصيف. تعرف طريقها. تسلكه كل مساء بعد نهار عمل طويل. تقف عند مقهى طوروس لنشتري فنجاني القهوة. تحملين فنجاني القهوة وتتابع السيارة طريقها بحذر أكبر كي لا يقع الفنجانان من يديك. تمر تحت النفق القصير بالقرب من فندق فينيسيا. في النفق ما يشبه المطب. أقود متمهلاً. تعبر عنّي السيارات المسرعة الأخرى. تعرفين كيف توازنين حركة فنجاني القهوة مع حركة السيارة. لا تسقط قطرة واحدة منهما عليك.
تلتف السيارة بنا بعد النفق بأمتار. أركنها بالقرب من خليج السان جورج الصغير. أطفئ المحرك. آخذ فنجان قهوتي منك. نشرب قهوتنا المسائية ونحكي نهارنا بعضنا لبعض. حين تكون الدنيا صيفاً ننزل لنمشي على الرصيف. نمشي فنصل إلى الكورنيش العريض حيث أشجار النخيل. أشجار عين المريسة. تنظرين إلى نصب جمال عبد الناصر وتخبرينني للمرة الألف كم تحبينه. «لِمَن تركتنا يا قائد؟» تمازحينني بتفجّعك الدائم على زمن عبد الناصر والعروبة. أبتسم ولا أقول شيئاً.
نعود أدراجنا. نمر بالقرب من السان جورج. هناك، عند أول السياج الذي يلتصق تقريباً بالسان جورج، نقف قليلاً. نحكي. الشتاء كان قاسياً علينا هذه السنة. لم نغيّر عادتنا. المكان هنا أحلى من كراسي المقاهي. هنا نستمع إلى موسيقانا وإلى هنا يوافينا أصدقاؤنا. نملأ أحياناً كل مقاعد السيارة.
كلما نظرت أمامي رأيت الأبنية نفسها. البنك البريطاني وفندق فينيسيا وفندق مونرو. بين الفندقين طريق تهبط نزولاً. برج جديد يشبه قوساً ارتفع إلى يسارنا في غفلة منا. بيننا وبين البرج أشجار عارية. إن أغمضت عيني الآن أرى الصورة أمامي مضاءة. أراها مشمسة إن أردت وأراها تحت الغيم. أعرف كل فصول ذاك المكان. أحفظه أكثر مما أحفظ خطوط يدي.
كلما وقفت هناك ونظرت خارجاً شعرت بحبّ ما لهذا البلد. أطمئن إلى أنني، وبالرغم من كل شيء، أحب لبنان كثيراً. أطمئن إلى علاقتي بهذا المكان اليومي من بيروت. أشعر أنني في بيتي.
كنا في بيتنا الجديد حين دوّى الانفجار. نمشي بين الغرف الفارغة. نقيسها. هنا نضع التلفزيون. هنا غرفة الجلوس وهنا الصالون. البراد والغسالة. الكمبيوتر. البيت. هنا نعيش قريباً. هنا نبني حياة جديدة.
أخرج إلى الشرفة مرة بعد مرة. أنظر بعيداً. أفرح لأنني أرى بعض البحر من شرفة البيت. أنظر إلى اللون الأزرق طويلاً كي أطمئن إلى أن ما أراه ليس سراباً. هو البحر وهو أزرق. تحت حصتي الخاصة من البحر يرتفع جامع محمد الأمين. أراه. يدوي الصوت. ننسى البحر وننسى الغرف. نهرع إلى الشارع. ماذا حدث؟
لم أشترِ لك هدية ولم آتِ بوردة حمراء. قلتُ عصراً أذهب وأشتري الوردة والهدية. ومساءً نذهب إلى البحر. نشرب القهوة وأعطيك وردتك وهديتك. نركض في الشوارع صوب عمود الدخان الأسود. يرتجف جسدي حين أعلم أن الانفجار وقع عند السان جورج. وحين نمر بالقرب من الحمّامات الرومانية وأرى الواجهات الزجاجية محطّمة والزجاج يملأ الشارع النظيف أفزع.
حين يسقط كوب زجاج في البيت وتتناثر حبّاته المسنّنة على البلاط تجزع الأمهات. يطلبن من أولادهن أن يجلسوا ويرفعوا أقدامهم الحافية عالياً. يأتين بالمكانس ويكنسن البلاط بتأنٍّ وببطء. يبحثن عن حبّات هاربة قد تترك جروحاً. يكنسن الأرض ويمسحنها بالماء ويأمرن الأولاد بانتعال أحذيتهم. تخاف الأمهات من الزجاج المحطّم ويتشاءمن منه. نرث خوف الأمهات من الزجاج. حين نراه أرضاً نخاف. حين نرى كل هذا الزجاج محطّماً نخاف.
حين أرى محرمة مبللة بالدم مرمية على الأرض لا أفهم شعوري. حين تطل علينا صورة الانفجار من بعيد أعلم أنني اليوم لن أهديك وردة ولن نأتي لنشرب القهوة.
أرى رجلاً محمولاً على نقالة. أرى جثثاً مغطّاة على الأرض. أرى دماراً. هل رأيت هذه الأشياء من قبل؟ تبدو مألوفة كأنني مررت بها. لا. لم أكن فوق ركام انفجار قبلاً. هذه ذاكرتي تخدعني. تخلط صوراً من التلفزيون والصحف بالمشهد ذي الأبعاد الثلاثية هنا. للدخان هنا رائحة دخان. في الصور لا رائحة للدم والدمار والنار.
هذه المرّة الأولى التي أتفرّج فيها على انفجار. ما الذي أقوله؟ «المرّة الأولى». هذا خطأ. المرّة الأولى تُحسب لتجارب أمرّ بها بإرادتي. تترك فيّ أثراً جميلاً. اللقاء الأول. الابتسامة الأولى. البيت الأول. ليس مفترضاً بي أن أتفرّج على جثث وعلى آثار انفجار. لا يفترض بمثل هذه الأشياء أن تقع. لا هنا ولا في أي مكان آخر. ليس هنا بالتحديد.
كنت مطمئناً إلى هذا السطر الأخير من بيروت. يمكنني أن ألجأ إليه كلما تعبت أو ضجرت أو أحببت أن أراك أو أرى البحر. كنت أشعر بالألفة. كان مكاناً لي. كان هناك سلام ما في هوائه. هل بعثر ذاك الانفجار سلامه؟
أقف إلى البحر والانفجار خلفي. لا أفهم شيئاً. فجأة تنقلب صورة السياسي. يصير واحداً منا. لا. لا يصير واحداً منا. نحن عاديون نجلس إلى البحر ونمشي في الشوارع. نحن لا تتربّص بنا انفجارات تمزّقنا أشلاء. إن متنا في انفجار حُسبنا في لائحة المدنيين الأبرياء. نذهب لأن حظنا كان سيئاً. هو ليس كذلك. لكن السياسي أيضاً بريء. السياسة ليست ذنباً.
كم كئيب على رجل أن تتحوّل حياته إلى رقم في معادلة معقّدة لقاتل. كم كئيب أن يتحوّل قلبه هدفاً. يُقتل قبل أن يُقتل. يُقتل حين يصير اسماً ملائماً للقتل. حين يصير من دون جسد ومن دون روح ومن دون أولاد وزوجة وأحفاد وحياة. يُقتل حين يزيل عنه القاتل كل صفة إلا صفة الهدف المجرّد. كم كئيبة مثل هذه الحياة، وكم كئيب مثل هذا الموت.
دعينا نذهب. هذا الانفجار قبض على صدري. خنقني. أدخل إلى مكاني ذكرى لا تُمحى. هنا وقع الانفجار. غداً، وفي كل غد نمرّ من هنا نتذكّر هذه الحفرة. عميقة كثقب أسود. كبيرة على هذا البلد الجميل الكئيب.
أحب لبنان. أحبه أكثر مما كنت أعرف. كلما كنت أنظر من نافذة السيارة إلى هذه البقعة التي نصفها بحر ونصفها فنادق وأشجار عارية كنت أرتاح إلى خياري. كنت أقول إنني أحب بيروت وأحب لبنان. كنت أفرح لأنني أعيش هنا ولا أعيش في بلد آخر.
دعينا نذهب. حين خرجت مراراً إلى شرفة بيتنا لأطمئن إلى حصّتي من البحر كنت سعيداً لأنني هنا سأبني حياة. دعينا نذهب. لن أهديك وردة هذا المساء. لن نأتي لنشرب قهوتنا. سأخاف كثيراً من غد مجهول. سأخاف من انفجار ثانٍ وثالث ورابع في حياتي. لكنني، بتفاؤل بسيط لا يعرف شيئاً، سأحب لبنان. سأحبه كما لو أنني في أغنية لفيروز.
وكلما مررت بالحفرة وتذكّرت الانفجار سأحب لبنان أكثر. وسأجلس على شرفة بيتنا وأتفرّج على حصّتي من البحر. وغداً نجلب فنجاني قهوة ونجلس إلى هذا السطر الأخير الرائع. ونحكي. لن أنسى الوردة، أعدك.