كتب الخبير الانتخابي نزيه درويش الآتي:
قد يكون صحيحًا ما ورد في كلام النائب جبران باسيل من أن تعطيل اقتراع المغتربين سياسي بامتياز، وأن الحكومة تتلطّى خلف هيئة التشريع والاستشارات لرفع المسؤولية عنها. ومن حقه، بل من واجبه، عدم السكوت عن خرق الحكومة للقانون في ما يخصّ حق المغتربين في الاقتراع، ونشدّ على يده في هذا الإطار.
لكن غير الصحيح هو الادعاء بأن الحكومة تستطيع، عبر مراسيم وزارية، أن “تُشرّع” في هذا الموضوع. فالتشريع من صلاحية مجلس النواب حصرًا، وخطأ الحكومة الأساس يكمن في عدم حثّ البرلمان باكرًا على إدخال التعديلات اللازمة وإضافة المواد الناقصة إلى القانون، بدل ترك الأمور تتخبّط حتى اللحظة الأخيرة.
وتبقى المسؤولية الكبرى، في كل الأحوال، على عاتق مجلس النواب، رئيسًا وكتلًا، ومن مختلف الاتجاهات السياسية. فالقانون الانتخابي بحاجة واضحة إلى تعديل، وهذا ما نقوله باستمرار منذ زمن، سواء أكان الهدف إشراك المغتربين في دوائر الداخل، أو في الدائرة 16، أو حتى في حال عدم الرغبة بإشراكهم نهائيًا. الحسم يجب أن يكون بقانون واضح لا باجتهادات ملتبسة.
وينسحب الأمر نفسه على المادة 84 وعلى مسألة البطاقة الإلكترونية. فرأي هيئة التشريع والاستشارات الصادر عام 2018، وهو رأي غير صائب، لم يلحظ السبب الجوهري وراء إدراج هذه المادة، أي حق اللبنانيين في الاقتراع في مكان سكنهم، كما ورد صراحة في الأسباب الموجبة للقانون.
وفي الآونة الأخيرة، بدأ البعض يروّج لفكرة الاستعانة بـ“استشارة” جديدة من الهيئة نفسها في ما يتعلّق باقتراع المغتربين، بحجة عدم تعطيل اقتراع الداخل في حال تعثّر اقتراع الخارج، وتحت العنوان ذاته: “حق الاقتراع لا يعلو عليه شيء”. وهنا لا بد من التذكير بأن هذه القاعدة الجوهرية تسري أيضًا على غير المقيمين المسجّلين، ولا يجوز التعامل معها بانتقائية سياسية.
إن كل هذه الخزعبلات القانونية، وما قد ينتج عنها من انتخابات إذا حصلت على هذا الأساس، ستكون عرضة للطعن أمام المجلس الدستوري، متى توفّر “ذو مصلحة” لتقديم الطعن، كما ينصّ قانون المجلس الدستوري بوضوح.
إنها فوضى حكومية وتشريعية غير مسبوقة، تُدار بعقلية التهرّب من المسؤولية، فيما يُفترض أن يكون الاستحقاق الانتخابي مناسبة لتكريس دولة القانون، لا لتقويضها.