كتب نديم قطيش:
في تجاهلٍ لوقائع السياسة الإقليمية، يختزل بعض الباحثين، وفي مقدّمهم شيبلي تلحمي، الصراع مع إيران باعتباره «في معظمه» مرتبطًا بإسرائيل. مقاربة كهذه تفقد قيمتها التحليلية عند إخضاعها للوقائع على الأرض.
تمدّد إيران في العراق لم يكن يومًا بسبب إسرائيل. حرب اليمن التي استنزفت السعودية لا علاقة لها بإسرائيل. هجمات الحوثيين على منشآت أرامكو وأهداف في أبوظبي لم تُنفّذ باسم إسرائيل. وكذلك الأمر بالنسبة إلى هيمنة حزب الله على القرار السيادي في لبنان. في كل هذه الملفات، لم تكن إسرائيل سوى ذريعة سياسية، لا سببًا فعليًا.
على العكس، فإن مسار التطبيع العربي مع إسرائيل جاء تحديدًا على خلفية التهديد الإيراني. الإمارات والبحرين، كما المسار السعودي الذي تعثّر من دون أن يُلغى، اتخذت خطواتها فيما كانت أذرع إيران لا تزال في ذروة قوتها. هذه الدول لم تختر إسرائيل رغم الخطر الإيراني، بل اختارتها بسبب هذا الخطر.
تجاهل هذا السياق يفرض القفز فوق حقائق أساسية: أن إيران بنت نفوذًا إمبراطوريًا يمتد من طهران إلى بيروت؛ أن هذا النفوذ قوض سيادة أربع دول عربية؛ أن دول الخليج تسعى إلى مظلة حماية أميركية في مواجهة إيران، لا في مواجهة إسرائيل؛ وأن سقوط نظام بشار الأسد، رغم ما يحمله من مكاسب استراتيجية لإسرائيل، قوبل بارتياح واحتفال في قطاعات واسعة من العالم العربي.
الدليل الأوضح يكمن في سلوك الدول العربية اليوم مع تراجع محور إيران. فهي لا تضع أولوياتها في إدانة التوسع الإسرائيلي، بل تنخرط في سباق لملء الفراغ الذي خلّفه الانكفاء الإيراني، وتبحث في آليات إخراج الميليشيات التابعة لطهران من أراضيها، بالتوازي مع نقاشات مفتوحة حول صيغ التعايش مع إسرائيل، من سوريا ذات الطابع الإسلامي إلى الإمارات ذات النموذج العلماني.
القول إن الصراع مع إيران «في معظمه» مرتبط بإسرائيل لا يستقيم إلا عبر إلغاء الدور العربي، وتجاهل الطابع الإمبريالي للمشروع الإيراني، وتحويل القضية الفلسطينية إلى غطاء سياسي تستخدمه طهران لا أكثر.
إنها مقاربة أيديولوجية، لا قراءة علمية، مهما ارتدت من عباءة الخبرة الأكاديمية.