لماذا لم يتم إخلاء المباني المهددة بالسقوط؟

بعد تكرار نكبة طرابلس بسقوط مبنى على رؤوس قاطنيه، يعود السؤال الملح نفسه: من المسؤول؟ المسألة لم تعد تقنية أو إدارية، بل باتت جريمة موصوفة بالإهمال الجسيم. فالدولة، بكامل تراتبيتها، من الوزارات المختصة إلى البلديات والقضاء والأجهزة الرقابية، كانت على علم بوجود أكثر من مئة مبنى مهدد بالانهيار. ورغم ذلك، لم يُفرض الإخلاء الإلزامي، ولم تُؤمَّن بدائل سكنية مؤقتة تحفظ كرامة الناس وأرواحهم.
إن المطلوب فوراً إخلاء جميع المباني الخطرة، وإيواء سكانها لمدة كافية تتيح تأمين سكن آخر، سواء عبر بدلات إيجار، أو مراكز إيواء لائقة، أو شراكات مع القطاع الخاص. أما التذرع بقلة الإمكانات أو تضارب الصلاحيات فليس سوى تهرب من المسؤولية.
قانونياً، تتحمل الدولة مسؤولية جزائية كاملة، لأن الامتناع عن الفعل عند توفر العلم والخطر يشكل جريمة متمادية. كل يوم يمر من دون إخلاء هو تعريض متعمد لحياة المواطنين للخطر. المحاسبة تبدأ بقرار سياسي واضح، وتنتهي أمام القضاء، لأن الحق في الحياة لا يُدار بالبيانات، بل بالفعل والمسؤولية. وإلا فإن الصمت الرسمي سيبقى شريكاً في الجريمة، وتبقى الأرواح المهددة أرقاماً مؤجلة. طرابلس ليست استثناء، بل إنذار أخير لدولة مطالبة بحماية مواطنيها قبل فوات الأوان، وبخطة شفافة وجداول زمنية وتمويل واضح ومساءلة لا تستثني أحداً. فبدون ذلك، ستتكرر المآسي وتتعمق الفجوة بين الدولة والناس، وتُفقد الثقة نهائياً بالقانون والمؤسسات العامة المسؤولة عن السلامة العامة الوطنية.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram