الإمارات والرهان على بحر قزوين

كتب نديم قطيش على صفحته على موقع إكس:

في 2 فبراير 2026، وقّعت شركة “XRG”، الذراع الاستثمارية الدولية لـ“أدنوك”، اتفاقية للاستحواذ على حصة أقلية في ممر الغاز الجنوبي (SGC) التابع لأذربيجان. جرى التوقيع في أبوظبي بحضور رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف. لم تكن الصفقة مجرد اتفاق تجاري، بل إعلاناً استراتيجياً يعكس تموضعاً إماراتياً متقدماً في قلب معادلة الطاقة الأوراسية.
يمتد ممر الغاز الجنوبي على طول نحو 3500 كيلومتر، وينقل سنوياً قرابة 26 مليار متر مكعب من غاز بحر قزوين من أذربيجان عبر تركيا إلى أوروبا، ويُعد الشريان الرئيسي غير الروسي لإمدادات الغاز الأوروبية. تمتلك “XRG” بالفعل 30% من حقل أبشيرون الأذربيجاني و38% من الرقعة البحرية الأولى (Block I) في تركمانستان. كما استثمرت “دراجون أويل”، المملوكة للإمارات، أكثر من 10 مليارات دولار في حقول تشيليكين البحرية في تركمانستان منذ عام 2000، مع تمديد العقد حتى عام 2035.
بإضافة الحصة في ممر الغاز الجنوبي، تضع أبوظبي نفسها على امتداد سلسلة القيمة الكاملة لقطاع طاقة بحر قزوين، من احتياطيات تركمانستان الحبيسة، مروراً بالبنية التحتية الأذربيجانية، وصولاً إلى الأسواق الأوروبية. هذا التموضع لا يقتصر على الطاقة، بل يتقاطع مع إعادة هيكلة مسارات النفوذ في أوراسيا. فممر الغاز الجنوبي يلتف على روسيا، فيما يلتف خط الأنابيب العابر للقزوين على إيران، ويُضاف إلى ذلك ممر زانغيزور الذي يربط أذربيجان بجيب نخجوان عبر أرمينيا، بما يعيد صياغة الربط الإقليمي.
رهانات الطاقة تتقاطع بوضوح مع التحركات الدبلوماسية. ففي 10 يوليو 2025، استضافت أبوظبي أول قمة ثنائية مباشرة بين أرمينيا وأذربيجان من دون وساطة قوى عظمى، بمبادرة من الرئيس إلهام علييف، وتركّزت المحادثات على معاهدة السلام وترسيم الحدود وممر زانغيزور. وفي 8 أغسطس 2025، جرى التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية السلام بين أرمينيا وأذربيجان في البيت الأبيض، بعد إنضاج بنيتها في أبوظبي، مع تأكيد مصادر متعددة أن الإمارات تواصلت مراراً مع واشنطن لإدراج جنوب القوقاز على جدول أعمال إدارة ترامب.
وفي 23 و24 يناير 2026، استضافت أبوظبي أول محادثات ثلاثية روسية–أوكرانية–أمريكية منذ اندلاع الحرب، حيث استقبل الشيخ محمد بن زايد رؤساء الوفود، مع تحديد جولة ثانية في 5 فبراير. تلا ذلك في 29 يناير 2026 زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى موسكو ولقاؤه الرئيس فلاديمير بوتين، قبل أن تُتوَّج هذه الحركة الدبلوماسية بتوقيع صفقة “XRG” وممر الغاز الجنوبي في 2 فبراير.
تمتلك تركمانستان رابع أكبر احتياطي غاز في العالم، لكنها تفتقر إلى مسار تصدير غربي. القطعة الناقصة هي خط الأنابيب العابر للقزوين (TCP)، وهو وصلة بحرية بطول نحو 300 كيلومتر تصل غاز تركمانستان بأذربيجان. في ديسمبر 2025، أعلنت تركيا أن المشروع وصل إلى مرحلة ملموسة. البنية التحتية الغربية قائمة، وما ينقص هو رأس المال، وهو ما يضع الإمارات، باستثماراتها المتزامنة في تركمانستان وممر الغاز الجنوبي، في موقع الممول المحتمل للممر الذي يربط غاز آسيا الوسطى بأوروبا.
تُكمل صفقة “XRG” وممر الغاز الجنوبي استراتيجية ممرات طاقة تمتد من تركمانستان وأذربيجان وتركيا إلى أوروبا، لكن رهان الطاقة لا ينفصل عن الرهان الدبلوماسي. توفّر أبوظبي المساحة التي تُبرم فيها الصفقات، ورأس المال الذي يجعلها ممكنة، والحياد الذي يقبله الجميع. لم يعد السؤال ما إذا كان سيتم بناء خط أنابيب عبر بحر قزوين، بل ما إذا كان بإمكان أي طرف إنجازه من دون وجود أبوظبي على الطاولة.

شارك الخبر على:
Facebook
WhatsApp
X
Telegram