لم يذكر دونالد ترامب نطنز، ولا فوردو، ولا أصفهان. لم يتحدث عن أجهزة الطرد المركزي ولا عن نسب تخصيب اليورانيوم. اكتفى باسم واحد: «جبل الفأس».
في تلك اللحظة تحولت الأنظار من المنشآت النووية المعروفة إلى جبل مجهول بالنسبة إلى معظم العالم، لكنه معروف جيداً لدى أجهزة الاستخبارات الغربية. فجأة، أصبح السؤال الذي يتردد في واشنطن وتل أبيب والعواصم الأوروبية واحداً: ماذا تخفي إيران داخل هذا الجبل؟
يقع جبل الفأس، أو ما يعرف غربياً باسم «بيكاكس ماونتن»، بالقرب من منشأة نطنز النووية في محافظة أصفهان. أما اسمه المحلي فيرتبط بكلمة فارسية تعني الفأس أو المعول، وهو الاسم الذي تبنته الدوائر الأمنية الغربية لاحقاً. لكن أهمية الجبل لا تكمن في موقعه الجغرافي، بل فيما يجري في أعماقه.
على مدى سنوات، رصدت الأقمار الصناعية حركة غير اعتيادية في المنطقة. طرق جديدة تشق الصخور، شاحنات ثقيلة تدخل وتغادر، مداخل أنفاق تتوسع باستمرار، وأعمال حفر تبدو أكبر بكثير من مجرد مشروع صناعي عادي. ومع كل صورة جديدة كانت الشكوك الغربية تتزايد، فيما كانت طهران تكرر الرواية نفسها: منشآت مرتبطة بتجميع أجهزة الطرد المركزي لا أكثر.
غير أن الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية لم تقتنع بهذا التفسير.
بالنسبة إلى هذه الأجهزة، تعلمت إيران درساً قاسياً من السنوات الماضية. نطنز تعرضت للتخريب أكثر من مرة، وفوردو باتت هدفاً معروفاً لأي مواجهة عسكرية محتملة، لذلك كان لا بد من إنشاء موقع جديد أكثر عمقاً وأكثر حصانة، موقع يستطيع النجاة حتى لو تعرضت المنشآت الأخرى للتدمير الكامل.
هكذا ولد مشروع جبل الفأس.
تقديرات الخبراء تشير إلى أن بعض الأنفاق حفرت على أعماق قد تصل إلى نحو مئة متر داخل طبقات الغرانيت الصلبة، وهو ما يجعل الوصول إليها مهمة شديدة التعقيد حتى بالنسبة إلى القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات. وفي الأوساط العسكرية الأميركية يقال إن تدمير ما يوجد داخل الجبل قد يحتاج إلى سلسلة ضربات متتالية وليس إلى غارة واحدة.
لهذا السبب لم يكن تهديد ترامب عادياً أو للاستهلاك الإعلامي.
عندما يذكر رئيس الولايات المتحدة جبل الفأس بالاسم، فهو يبعث برسالة تتجاوز إيران نفسها: واشنطن تعرف أين يوجد المشروع الأكثر حساسية في البرنامج النووي الإيراني، وتعرف أن المعركة الحقيقية لم تعد تدور حول المنشآت الظاهرة فوق الأرض، بل حول ما دفنته طهران في قلب الجبال.
هناك من يعتقد أن الموقع مخصص لتجميع أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وهناك من يذهب أبعد من ذلك ليرى فيه منشأة بديلة للتخصيب أو مركزاً احتياطياً للبرنامج النووي الإيراني في حال تعرضت المنشآت الأخرى للتدمير. وبين الروايتين تبقى الحقيقة مدفونة في أعماق الصخور.
وحتى الآن، لا أحد خارج الدائرة الإيرانية الضيقة يعرف على وجه اليقين ما الذي يوجد خلف تلك البوابات المعدنية الضخمة.
لكن في عالم الاستخبارات، غالباً ما تكون أخطر الأسرار هي تلك التي لا تظهر في الصور، ولا تعترف بها الحكومات، ولا يكشفها إلا صوت التهديد عندما يقترب موعد المواجهة.
