عندما يقول الرئيس نبيه بري إن الإطار التفاوضي أوصل لبنان إلى «عشرين تحت الصفر»، فهو يحاول تصوير المفاوضات وكأنها سبب الانهيار الوطني والسيادي الذي يعيشه البلد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين كان لبنان قبل المفاوضات؟ وهل كان الجنوب يعيش ازدهاراً وسيادة كاملة قبل الحرب الأخيرة؟
الحقيقة أن لبنان لم يصل إلى عشرين تحت الصفر بسبب التفاوض، بل بسبب سنوات طويلة من التسويات الداخلية التي سمحت ببقاء قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة. أما الجنوب، فقد وصل إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إلى مئة تحت الصفر، بعدما تحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة دفعت أثمانها القرى والناس والاقتصاد اللبناني بأكمله.
هروب بري من مسؤوليته السياسية والتاريخية في الوقوف بوجه حزب الله، أو على الأقل في المطالبة بإعادة القرار الاستراتيجي إلى الدولة، ساهم في إيصال البلاد إلى الكارثة الحالية. فالنتيجة كانت دماراً واسعاً في الجنوب، وانهياراً اقتصادياً إضافياً، وعودة الاحتلال إلى أجزاء من الأراضي اللبنانية بعد سنوات من التحرير.
المشكلة لم تكن يوماً في المفاوضات، بل في العجز عن بناء دولة تمتلك وحدها حق القرار والسلاح والسيادة.
المفاوضات هي الإنقاذ، والهروب من حزب الله هو تأجيل حرب آتية.
