
في قلب قضاء كسروان وعلى السفوح الغربية لجبل لبنان تتربع بلدة غوسطا واحدة من أجمل البلدات اللبنانية وأكثرها تميزًا حيث تتلاقى الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق والإيمان العميق والتراث الثقافي الغني لتشكل وجهة سياحية متكاملة تستحق أن تكون على رأس برنامج كل زائر للبنان.
ترتفع غوسطا نحو 550 و900 متر عن سطح البحر فتتمتع بمناخ معتدل صيفًا وبارد شتاءً بينما تمنحها تضاريسها الفريدة إطلالات بانورامية آسرة تمتد من خليج جونية إلى الساحل الكسرواني والبحر الأبيض المتوسط حتى تبدو وكأنها شرفة طبيعية معلقة بين السماء والبحر.
تجاور غوسطا عددًا من البلدات الكسروانية العريقة أبرزها درعون–حريصا وبزمار ومعراب ودلبتا وهي ترتبط بشبكة طرقات حديثة تصلها بجونية عبر بكركي وحريصا أو من عشقوت وبزمار اومن غزير…مما يجعل الوصول إليها سهلاً من مختلف المناطق اللبنانية.

ويشير نائب رئيس بلدية غوسطا غابي خويري الى ان اسمها يحمل دلالات تاريخية ولغوية متعددة أثارت اهتمام الباحثين والمؤرخين حيث يرى بعض المختصين أن هذا الاسم مشتق من الكلمة اللاتينية Augusta التي ارتبطت بالإمبراطور أوغسطس أو بالألقاب الإمبراطورية الرومانية وربما أطلقت على الموقع نظرًا لأهميته الاستراتيجية وإشرافه على الساحل اللبناني منذ العهد الروماني.
في المقابل يرجح باحثون آخرون أن أصل التسمية سرياني مشتق من كلمة غوستو التي تعني “الملجأ” أو “المأوى” وهو تفسير ينسجم مع طبيعة البلدة الجبلية التي شكلت عبر القرون ملاذًا آمنًا للرهبان والسكان خلال فترات الاضطرابات.
وعلى رغم تعدد الآراء يبقى اسم غوسطا شاهدًا على تاريخ يمتد لمئات السنين ومحافظًا على حضوره في الذاكرة الكسروانية واللبنانية.
ويؤكد خويري ل”arab files” انه تكفي صورة جوية واحدة لغوسطا ليدرك الزائر سبب تسميتها “شرفة كسروان” فالبيوت الحجرية ذات القرميد الأحمر تتدرج بين غابات الصنوبر والسنديان والزيتون فيما تتلوى الطرقات بهدوء بين التلال وتنحدر الأودية العميقة نحو البحر لتشكل لوحة طبيعية نادرة.
ومن أعلى المرتفعات تبدو مدينة جونية محتضنة خليجها الأزرق بينما يلوح كازينو لبنان ليشكل احد أبرز معالم الساحل وتمتد الرؤية شمالاً وجنوبًا على طول الشريط الساحلي اللبناني.
ومع ساعات الغروب تتحول غوسطا إلى منصة طبيعية لمشاهدة واحدة من أجمل المشاهد في لبنان حيث تتداخل ألوان السماء مع زرقة البحر وخضرة الجبال في لوحة لا تتكرر.
وما هي الا دقائق معدودة لتصل من غوسطا الى مزار سيدة لبنان في حريصا أحد أهم المزارات المسيحية في الشرق الأوسط مما يجعلها محطة طبيعية للحجاج والسياح القادمين إلى المنطقة وحيث تتربع قبلة السياحة الدينية في لبنان على مدار السنة وحيث يمكن ان يقام تمثال ثان لسيدة لبنان في بلدة حريصا قبالة ارز تنورين وهي قد نقلها اهلها من هناك الى كسروان عام 1774.
ويلفت خويري الى ان غوسطا تجمع بين السياحة الدينية والبيئية حيث يستطيع الزائر خلال دقائق الانتقال من هدوء الكنائس والأديرة إلى الإطلالات المفتوحة على البحر والجبال وسط خضار بيئي وطبيعي وصنوبري قل نظيره.
ويشكل مركز رهبان الرسل في جبل الرحمة أحد أبرز المعالم الروحية في البلدة وهو يستقبل على مدار السنة مؤمنين من لبنان والخارج للمشاركة في الرياضات الروحية والخلوات واللقاءات الكنسية حيث ينتصب تمثال المسيح عاليا على هذا الجبل.
ويضم المركز كنيسة حديثة ومحطات لدرب الصليب ومساحات مخصصة للتأمل والصلاة وسط الطبيعة إضافة إلى قاعات للمؤتمرات والنشاطات الروحية وتضفي إطلالته على خليج جونية وجبال كسروان بعدًا روحانيًا استثنائيًا يجعل منه مقصدًا للباحثين عن السكينة.
-عين ورقة… مدرسة تحت السنديانة صنعت نهضة العلم والثقافة:
ويبقى دير ومدرسة عين ورقة أشهر معالم غوسطا التاريخية وأحد أهم الصروح العلمية والثقافية في لبنان وقد أسسه المطران جرجس خير الله أسطفان عام 1660 قبل أن تتحول المدرسة أواخر القرن الثامن عشر إلى أول مدرسة إكليريكية مارونية على نموذج المدرسة المارونية في روما…اشارة الى ان التلامذة كانوا يدرسون في تلك الايام تحت السنديانة.
ولم تكن عين ورقة مجرد مدرسة دينية بل أصبحت منارة للعلوم واللغات والفلسفة واللاهوت حتى أطلق عليها الأديب مارون عبود لقب “سوربون الشرق”.
وقد خرجت المدرسة أربعة بطاركة موارنة وأكثر من عشرين مطرانًا ومئات الكهنة إلى جانب نخبة من المفكرين واللغويين الذين قادوا النهضة الأدبية والفكرية في لبنان والمشرق العربي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
ويحافظ الدير حتى اليوم على رونقه المعماري من خلال واجهاته الحجرية التقليدية وأقواسه الرحبة وساحاته الداخلية وأسطحه القرميدية التي تمثل نموذجًا أصيلاً للعمارة المارونية اللبنانية.
هذا وتزخر غوسطا بعدد كبير من الأديرة والكنائس التي تعكس عمق الإيمان والتراث الديني في البلدة حيث تشكل كنيسة مار سمعان القلب الروحي والاجتماعي لغوسطا وهي الكنيسة الرعائية الرئيسية التي احتضنت مناسبات أبناء البلدة على مدى أجيال وتتميز بواجهتها الحجرية التقليدية وبرج جرسها المرتفع وأيقوناتها المارونية ويشكل عيد شفيعها مناسبة سنوية تجمع المقيمين والمغتربين في احتفال ديني وتراثي يعكس روح التضامن والانتماء.
ويعد دير المخلص من أبرز الأديرة التاريخية في المنطقة وقد أصبح المقر الأول لجمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة عام 1865 قبل انتقالها لاحقًا إلى جونية ويمتاز بعمارته الحجرية اللبنانية الأصيلة وأروقته المقنطرة وحدائقه الهادئة ويعد محطة مهمة من ضمن مسار السياحة الدينية في كسروان.
ويقع دير سيدة النصر وسط الطبيعة الخضراء وهو يتبع الرهبانية اللبنانية المارونية ويقصد للصلاة والخلوة الروحية ويتميز ببنائه الحجري القديم ونوافذه المقوسة وحدائقه المطلة على خليج جونية ويجسد الطراز التقليدي للأديرة اللبنانية.
ويمثل دير مار يوسف إحد الاديرة التاريخية في البلدة وهو يتميز بعقوده الحجرية وهندسته اللبنانية التقليدية ولا تزال تحتضن الاحتفالات الليتورجية والمناسبات الدينية على مدار السنة.
-غوسطا… عاصمة الطيران الشراعي في لبنان:
ولعل أكثر ما يميز غوسطا اليوم خو أنها أصبحت إحدى أشهر منصات الطيران الشراعي في لبنان والشرق الأوسط ومن مرتفعاتها ينطلق المحترفون والهواة في رحلات جوية تحبس الأنفاس تعبر فوق حريصا وخليج جونية قبل أن تلامس الشاطئ وتوفر التيارات الهوائية الصاعدة الناتجة عن الأودية العميقة المحيطة بالبلدة ظروفًا مثالية لتحليق آمن وطويل وتمنح المشاهد البانورامية للطائر إحساسًا فريدًا بالتحليق بين السماء والبحر ولهذا تستقطب غوسطا سنويًا عشاق المغامرة والتصوير الجوي من لبنان والخارج.
وعلى رغم التطور العمراني الذي شهدته البلدة ما زالت غوسطا تحافظ على شخصيتها التراثية فالبيوت الحجرية ذات القرميد الأحمر والأزقة القديمة والحدائق المزروعة بالصنوبر والسنديان لا تزال تمنحها طابعًا ريفيًا راقيًا يجمع بين الأصالة والحداثة ويجعلها واحدة من أكثر البلدات اللبنانية حفاظًا على هويتها المعمارية…وهو ما يشاهده المرء بام عينيه سواء من الاطلالات على البلدة من فوق ام من ساحة “وطى الصنوبر” وسط غوسطا.
ويوضح خويري انه قدمت غوسطا للبنان شخصيات بارزة في مختلف الميادين ويبرز الفنان الكبير داود القرم (1852–1930) بوصفه أحد رواد الرسم اللبناني الحديث وصاحب عشرات اللوحات الدينية والبورتريهات التي تزين الكنائس والمؤسسات الرسمية وقد أسهم في تأسيس المدرسة الفنية اللبنانية الحديثة.
وينتمي إلى تاريخ غوسطا كذلك الصحافي فيليب زيادة (1909–2005)أحد رواد الصحافة والإعلام اللبناني إضافة إلى عدد كبير من رجال الدين والأساقفة والعلماء الذين تخرجوا من مدرسة عين ورقة وأسهموا في النهضة الفكرية والكنسية في لبنان والمشرق.
ولم يقتصر حضور أبناء غوسطا على الداخل بل حمل أبناؤها اسمها إلى بلاد الاغتراب حيث نجح كثيرون في ميادين الاقتصاد والأعمال والثقافة وظلوا أوفياء لبلدتهم من خلال مساهماتهم في مشاريعها الإنمائية والاجتماعية.
ولغوسطا حصتها في المشي بالطبيعة حيث الممرات ودروب الجبل ابرزها درب السماء الذي ينطلق من ساحل علما وصولا الى حريصا فغوسطا.
-غوسطا… وجهة لكل الفصول:
ويقول خويري ان غوسطا ليست مجرد بلدة جبلية جميلة بل تجربة متكاملة يعيش فيها الزائر جمال الطبيعة وروحانية الأديرة والكنائس وعراقة التاريخ ومتعة المغامرة ودفء الضيافة الكسروانية.
ففي الربيع تكتسي الجبال بالخضرة والأزهار وفي الصيف تصبح ملاذًا للهاربين من حر الساحل وفي الخريف تتلون الغابات بألوان الذهب والنحاس وتطل على البحر.
ومن يقف على إحدى شرفاتها الطبيعية عند الغروب فسيرى لبنان كله في مشهد واحد بحرًا وجبلًا وقرىً وسماءً وسيُدرك لماذا بقيت غوسطا عبر الأجيال واحدة من أجمل جواهر كسروان ووجهة سياحية وثقافية وروحية تستحق الاكتشاف في كل فصل من فصول السنة.
ويؤكد خويري ان البلدية وبالتعاون مع مكونات غوسطا تعمل للحفاظ على هذا التراث الغني وترسم الخطط الكافية لتسويق البلدة قبلة للسياحة ونموذجا للقرية اللبنانية الاصيلة.
