تعطيل “الميكانيزم”: إسرائيل تفرض شروطها بالنّار

لا موعد لاجتماع لجنة “الميكانيزم” العسكريّة ولا السياسيّة. والسبب ليس تقنيّاً فحسب، بل سياسيّ بامتياز. هي مواجهة مباشرة لبنانيّة – إسرائيليّة، أوّلاً على آليّة العمل، وثانياً على جوهرها. وبين التقنيّ والسياسيّ، تحتفظ إسرائيل لنفسها بأداة الضغط بالنار، مع توسيع رقعة الاستهدافات شمال الليطاني، بانتظار تقرير الجيش اللبنانيّ المرتقب في نهاية الشهر.

 

بات معلوماً أنّ المواجهة بين الجيش اللبنانيّ والجيش الإسرائيليّ تتمحور حول التقرير الأخير الذي عرضه قائد الجيش بشأن جنوب الليطاني، والذي اعتبر فيه أنّ الجيش أنهى مهمّته هناك، باستثناء النقاط التي لا تزال محتلّة من قبل إسرائيل.

في المقابل، ترى إسرائيل أنّ هذا التقويم غير دقيق، وأنّ “الحزب” لا يزال موجوداً جنوباً، ولذلك لا نيّة حتّى الساعة لأيّ انسحاب أو وقف للغارات، لا جنوباً ولا شمالاً. وبناءً عليه، اللجنة العسكريّة مؤجّلة حتّى الآن، أوّلاً بسبب غياب رئيسها الجنرال جوزيف كليرفيلد، وثانياً بانتظار تقرير الجيش اللبنانيّ عن شمال الليطاني.

غياب التّعريف الواضح

أمّا في الشقّ السياسيّ فتفيد معلومات “أساس” بأنّ مواجهة مباشرة حصلت في الجلسة الأخيرة لـ”الميكانيزم” بين السفير سيمون كرم من جهة، والممثّل الإسرائيليّ ومورغان أورتاغوس من جهة أخرى. كان جوهر هذه المواجهة الخلاف على مقاربة الحلّ السياسيّ–الأمنيّ على الحدود الجنوبيّة. ففي حين يطرح الجانب الأميركيّ والإسرائيليّ تحويل المنطقة الحدوديّة إلى منطقة عازلة على طول الخطّ، وإلى منطقة اقتصاديّة خالية من السكّان، يؤكّد الموقف اللبنانيّ رفضه القاطع لهذه المقاربة، ورفضه تهجير العائلات من منازلها وقراها.

أدّت هذه المواجهة إلى وقف عمل “الميكانيزم”، ليس فقط بسبب تناقض المواقف، بل أيضاً بسبب غياب تعريف واضح لآليّة عمل اللجنة: ما هي أهدافها؟ وعلى أيّ بنود تعمل؟ وما مدى صلاحيّاتها؟ وهل تقتصر على المنطقة الحدوديّة أم تعالج عناوين أوسع كالهدنة أو اتّفاق أمنيّ شامل؟

تشير مصادر سياسيّة مطّلعة على عمل اللجنة، في حديث لـ”أساس”، إلى أنّ دورها يقتصر على العناوين المرحليّة، باعتبار أنّ لبنان يتعامل مع الواقع الأمنيّ على أساس أنّه أولويّة، معطياً السفير سيمون كرم دعماً كاملاً في تمثيله في هذه المرحلة، من دون أن يكون للبنان أيّ موقف حتّى الآن من توسيع هذا التفاوض ليصبح سياسيّاً أو أشمل، على غرار التفاوض السوريّ–الإسرائيليّ.

تفاوض مباشر برعاية أميركيّة؟

كان أحد أسباب زيارة الموفد الفرنسيّ جان إيف لودريان للبنان سعيه إلى إدخال مشاركة مدنيّة فرنسيّة في لجنة “الميكانيزم”. أثار هذا الطرح انزعاج واشنطن وتل أبيب. غير أنّ باريس تنتظر وضوح آليّة عمل اللجنة وإمكان استمرارها، في ظلّ مؤشّرات متتالية إلى عجزها عن أداء المهمّة الموكَلة إليها، للبناء على ذلك، وهو ما عكسه كلام السفير الفرنسيّ هيرفيه ماغرو.

في الخلاصة، تفيد مصادر دبلوماسيّة غربيّة لـ”أساس” بأنّ إسرائيل لا ترفض المشاركة الفرنسيّة فقط، بل ترفض أيضاً رعاية الأمم المتّحدة، وتصرّ على أن يكون التفاوض مباشراً بين لبنان وإسرائيل، وبرعاية أميركيّة حصراً.

أمّا على مستوى التمثيل، فتشير المعلومات إلى ترحيب أميركيّ باستمرار تمثيل السفير كرم، مع سعي واشنطن إلى تحويل التفاوض السوريّ–الإسرائيليّ إلى نموذج يُحتذى في الحالة اللبنانيّة. وتضيف هذه المصادر أنّ واشنطن سبق أن أوصلت رسائل عدّة إلى قصر بعبدا تدعو إلى تفاوض مباشر وعلى مستوى سياسيّ عالٍ.

في الثالث من تشرين الثاني من العام الماضي، قال المبعوث الأميركيّ توم بارّاك في مقابلة إعلاميّة: “فليتّصل الرئيس اللبنانيّ جوزف عون برئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، ويتّفقا على التخلّص من كلّ الرواسب”. ووفق معلومات “أساس”، كان هذا التصريح قد سبقه نقل رسالة إلى بعبدا عبر وسيط أميركيّ تقترح بدء مسار الحلّ جنوباً باتّصال مباشر بين الرئيسَين، تمهيداً لتفاوض في دولة ثالثة يُتّفق عليها لاحقاً.

رفض لبنان هذا العرض رفضاً قاطعاً، للأسباب المعروفة والمعلنة. وعلى إثر هذا الرفض، عاد بارّاك إلى طرح الدعوة بشكل علنيّ.

ضرورة فتح مسار جديد

في محصّلة مشهد “الميكانيزم” والجيش، يقف لبنان أمام تحدّيات كبرى، أوّلها تقرير الجيش اللبنانيّ المرتقب، وتأثيره المباشر على مصير مؤتمر دعم الجيش المقرّر عقده في باريس، سواء بالإبقاء عليه أو بتأجيله مجدّداً، وثانيها تعطيل أو فشل لجنة “الميكانيزم”، والطريق المسدود الذي وصلت إليه، مع إصرار تل أبيب على التفاوض المباشر.

لا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ موافقة سوريا على مسار التفاوض القائم بينها وبين إسرائيل زادت من تعقيد الموقف اللبنانيّ، الذي لا يزال يرفض هذا الخيار. وتشير معلومات “أساس” إلى أنّ السلطة الحاليّة، على الرغم من تمسّكها بدور السفير كرم، تدرك أنّها قد تكون وصلت إلى طريق مسدود، وأنّها باتت بحاجة إلى فتح مسار تفاوضيّ آخر قادر على اختراق الجمود القائم.

تعطيل “الميكانيزم”: إسرائيل تفرض شروطها بالنّار .

Share it :

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *