انتخابات صيدا- جزين 2026: معركة التحالفات الهشّة

تُعدّ دائرة الجنوب الأولى، التي تجمع بين صيدا وجزين، من أكثر الدوائر الانتخابية حساسية وتعقيداً. فهي دائرة تتقاطع فيها الاعتبارات الطائفية مع الحسابات السياسية العابرة للمناطق، وتتحوّل فيها الأصوات إلى أدوات ترجيح لا تقل أهمية عن الأحجام الشعبية. في هذه الدائرة، لا يكفي أن تكون قوياً، بل يجب أن تُحسن إدارة فائض القوة.
تضمّ الدائرة خمسة مقاعد نيابية: مقعدان سنّيان في مدينة صيدا، وثلاثة مقاعد مسيحية في قضاء جزين (مقعدان مارونيان ومقعد واحد للروم الكاثوليك). هذه التركيبة تجعل من صيدا خزّان الأصوات الحاسم لأي معركة في جزين، فيما تتحوّل جزين إلى ساحة اختبار لقدرة القوى المسيحية على ترجمة تحالفاتها الوطنية إلى نتائج انتخابية فعلية.

 

أرقام 2022: حين سقطت الحسابات التقليدية
في انتخابات عام 2022، بلغ عدد الناخبين المسجّلين في الدائرة 129,299 ناخباً، شارك منهم 63,366 ناخباً، أي بنسبة اقتراع قاربت 49 في المئة. وقد شكّل اقتراع المغتربين عاملاً مؤثراً، مع مشاركة 5,062 ناخباً من الخارج، كان لتوزّع أصواتهم دور مفصلي في رسم النتائج النهائية.
بلغ الحاصل الانتخابي الأول 12,258 صوتاً، فيما انخفض الحاصل الثاني إلى 6,670 صوتاً فقط، أي ما يقارب نصف الحاصل الأول. هذا الانخفاض الاستثنائي لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل نتيجة مباشرة لوجود لائحتين حصدتا أرقاماً وازنة من دون أن تتمكّنا من بلوغ الحاصل، وهما لائحة “الاعتدال قوتنا»” برئاسة إبراهيم عازار، ولائحة “معاً لصيدا وجزين” المدعومة من التيار الوطني الحر. عملياً، أدّى هذا الواقع إلى خفض سقف المنافسة على المقعد الثاني، وفتح الباب أمام اختراقات لم تكن ممكنة في ظروف طبيعية.
رغم مشاركة سبع لوائح ضمّت 29 مرشحاً، انحصر الفوز بلائحتين فقط. الأولى، لائحة “ننتخب للتغيير” التي جمعت أسامة سعد وعبد الرحمن البزري، وحصدت ثلاثة مقاعد: المقعدين السنّيين في صيدا ومقعداً مارونياً في جزين. والثانية، لائحة “وحدتنا في صيدا وجزين»” التي شكّلت تحالفاً بين القوات اللبنانية ويوسف النقيب في صيدا، وفازت بمقعدين مسيحيين في جزين، أحدهما ماروني والآخر كاثوليكي.
الدلالة الأساسية في هذه النتيجة أنّ القوات اللبنانية لم تكن لتنجح في انتزاع المقعدين المسيحيين لولا التحالف مع يوسف النقيب، الذي أمّن للائحة 4,380 صوتاً سنّياً في صيدا، ما أتاح لها بلوغ حاصلين انتخابيين. من دون هذا الرافد، كان وصول القوات إلى العتبة الانتخابية في جزين بالغ الصعوبة.
في المقابل، حصلت لائحة إبراهيم عازار على 11,719 صوتاً، وكانت تحتاج إلى نحو 400 صوت إضافي فقط للفوز بمقعد ماروني. هنا برز الدور الحاسم للاقتراع الاغترابي، إذ نالت لائحة القوات 1,602 صوتاً من الخارج، مقابل 287 صوتاً فقط للائحة عازار. وبحساب الأرقام الصرف، فإن غياب تصويت المغتربين كان سيؤدي إلى فوز عازار وخسارة شربل مسعد.

 

لماذا العودة إلى أرقام 2022؟
العودة إلى نتائج 2022 ليست إستعادة أرشيفية، بل مدخل أساسي لفهم ما يمكن أن يحصل في دورة العام 2026. فالدائرة لم تتغيّر، والكتل الناخبة الأساسية لا تزال في مكانها، فيما يبقى العامل المتغيّر الحاسم هو شكل التحالفات، لا بنية الأصوات.
العنصر الجديد الأبرز يتمثّل بإمكانية دخول النائبة السابقة بهية الحريري إلى السباق النيابي في صيدا. وفي حال حصول ذلك، ستتحوّل الساحة السنّية إلى منافسة ثلاثية بين النائب أسامة سعد، النائب عبد الرحمن البزري، وبهية الحريري. هذا السيناريو يعني تشظّي الكتلة السنّية، وارتفاع كلفة أي تحالف يسعى إلى تأمين فائض أصوات لمصلحة مرشحين في جزين.
حتى اللحظة، لا صورة تحالفية واضحة في صيدا: كلّ من سعد والبزري يتحرّك منفرداً، واحتمال دخول الحريري، أي عودة تيار المستقبل إلى الساحة السياسية بشكل ضمني عبر ترشحها، لا يزال مفتوحاً. هذا التشتّت يجعل من الصعب على أي فريق مسيحي بناء حساباته على رافعة سنّية مضمونة.

 

جزين: لا فوز من دون حليف صيداوي
في جزين، تُظهر التجربة الانتخابية بوضوح أنّ أي فريق مسيحي لا يمتلك فرصة حقيقية للفوز منفرداً. اليوم، يتقدّم التيار الوطني الحر وإبراهيم عازار بمشهد شبه تحالفي، مدعومَين من حركة أمل وحزب الله ضمناً في القرى والبلدات الشيعية في القضاء. وفق الحسابات الأولية، يمتلك هذا الفريق حاصلين إنتخابيين بصعوبة، في حال غياب حليف سنّي قوي في صيدا يؤمّن نحو ثلاثة آلاف صوت إضافي. أمّا في حال توافر هذا الحليف، فإن بلوغ الحاصلين يصبح أكثر سهولة، ما يضعهما في موقع متقدّم للفوز بالمقعدين المارونيين، لكل من إبراهيم عازار مرشح الرئيس بري وحركة أمل، والنائب السابق أمل أبو زيد مرشح التيار الوطني الحر.
في المقابل، تبدو القوات اللبنانية في وضع أكثر هشاشة. فمن دون تحالف سنّي وازن في صيدا، لا تمتلك القوات حاصلًا إنتخابياً، ما يجعل خسارتها للمقعدين إحتمالاً جدّياً. وعليه، تتحوّل المعركة الفعلية في جزين إلى صراع على المقعد الكاثوليكي: هل يعود مرة ثانية إلى القوات بترشيح النائبة غادة أيوب، في حال نجحت في إستقطاب حليف سنّي؟ أم يكون من نصيب التيار الوطني الحر ضمن تحالفه مع عازار بترشيح النائب السابق سليم خوري أو الوزير السابق هكتور حجار؟
في هذا السياق، يرز كلام يشير إلى أنّ القوات اللبنانية قد تعيد النظر في وجهة معركتها في جزين، بحيث لا تحصر رهانها بالمقعد الكاثوليكي، بل تدرس جدّياً خيار خوض المنافسة على أحد المقعدين المارونيين، تبعاً لطبيعة التحالفات التي قد تتبلور، وإمكان تأمين حاصل إنتخابي قابل للصرف. هذا الاحتمال يبقى مفتوحاً، وقد تفرضه الحسابات الرقمية أكثر مما تمليه الرغبات السياسية، إلا أنّ أي قرار من هذا النوع لا يزال غير نهائي، في ظل غياب صورة تحالفية مكتملة، وبانتظار اتضاح إتجاهات الساحة الصيداوية، التي تبقى العامل الحاسم في ترجيح أي خيار إنتخابي في قضاء جزين.

 

الثنائي الشيعي: دعم محسوب 
في خلفية هذا المشهد، يبرز دور ثنائي أمل حزب الله، ولا سيما رئيس مجلس النواب نبيه بري. فالثنائي لا يخوض المعركة في صيدا جزين بلائحة مستقلة، بل يفضّل إدارة حضوره عبر دعم حلفائه. تاريخياً، يُعدّ النائب السابق إبراهيم عازار، كما كان والده النائب الراحل سمير عازار، قريباً من بري وحركة أمل.
في انتخابات 2022، إختار الثنائي مقاربة تكتيكية في توزيع الأصوات، ما انعكس سلباً على حظوظ عازار. إلا أنّ المعطيات الحالية تشير إلى إمكان إعادة النظر في هذا الخيار في الانتخابات المقبلة، إذا ما رأى بري في دعم عازار مدخلاً لتحقيق توازن سياسي وتنوع طائفي يصر على الحفاظ عليه داخل كتلته، بموازاة غياب مرشح سنّي قوي قادر على قلب المعادلة في صيدا.

 

المجتمع المدني: حضور أضعف ومعركة أصعب
أظهرت انتخابات 2022 حضوراً نسبياً لقوى المجتمع المدني عبر لائحة «”نحن التغيير” التي حصدت 4,919 صوتاً. غير أنّ المؤشرات الحالية توحي بصعوبة تكرار هذا الرقم، في ظل تراجع الزخم الشعبي، والانقسامات الداخلية، وعودة الاستقطاب التقليدي الحاد، ما يرجّح إنكفاء هذا الدور إلى هامش محدود.
بناء على كل ما تقدم، لن تكون انتخابات 2026 في صيدا جزين معركة أحجام، بل معركة هندسة تحالفات دقيقة. صيدا تبقى المفتاح، وجزين صندوق الترجمة. وأحد المقاعد المسيحية الثلاثة، وخصوصاً الكاثوليكي،  قد يكون بيضة القبّان بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية. وحده من يُحسن قراءة أرقام 2022، ويتعامل بمرونة مع واقع 2026، سيكون قادراً على العبور، فيما سيكتشف من يراهن على قوته الذاتية فقط أنّها لا تكفي للفوز في دائرة تُحسم على الحافة.

انتخابات صيدا- جزين 2026: معركة التحالفات الهشّة .

Share it :

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *