يتّضح يوماً بعد يوم أنّ البحث في آلية دولية لرعاية وقف النار من جنيف، بمشاركة مجموعة من الدول الإقليمية وبينها إيران، لا يشكّل مجرد إطار تقني لمواكبة التهدئة، بل يحمل في طياته خطراً سياسياً مباشراً يتمثل في التشويش على المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية وعلى موقع الدولة اللبنانية نفسها كمفاوض وحيد باسم لبنان.
المشكلة ليست في عنوان الآلية بحد ذاته، بل في النتائج التي ستترتب عليها. فإيران الساعية منذ سنوات إلى مصادرة القرار اللبناني ستجد في هذه المنصة فرصة إضافية لتكريس دورها وصياً على الملف اللبناني، ومحاصرة الدولة الشرعية التي تخوض التفاوض انطلاقاً من أجندة لبنانية واضحة: انسحاب إسرائيلي كامل، بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وسحب السلاح غير الشرعي وصولاً إلى احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم.
في المقابل، تمتلك طهران أداة تنفيذية مباشرة هي حزب الله، ما يمنحها قدرة فعلية على التأثير في مسار الأحداث الميدانية والأمنية. وهنا يكمن الخلل الأساسي: الدولة اللبنانية تفاوض باسم الشرعية، فيما تفاوض إيران عبر قوة الأمر الواقع. وبين الشرعية والسلاح تنشأ معادلة مختلة تهدد بإفراغ الموقف اللبناني الرسمي من مضمونه.
صحيح أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بميزان القوة العسكرية، بل أيضاً بشرعية تمثيلها للبنان، إلا أن هذه الشرعية ستجد نفسها محاصرة بين طرفين. على جهة، إسرائيل التي لا تبدو مستعدة للانسحاب إلا وفق شروط تعجيزية. وعلى الجهة الأخرى، إيران التي تسعى إلى الإبقاء على حزب الله بكامل جهوزيته العسكرية والأمنية باعتباره آخر أوراق نفوذها الفاعلة في المشرق.
هكذا يصبح لبنان عالقاً بين خصمين يتواجهان في العلن، لكن مصالحهما تتقاطع عملياً عند نقطة واحدة: منع الوصول إلى انفراج حقيقي في الملف اللبناني.
ولذلك تبدو الخلافات داخل الإدارة الأميركية حول هذه المقاربة مرشحة للتصاعد. وكان “أراب فايلز” أول من كشف وجود تباينات بين جي دي فانس وماركو روبيو حول إدارة الملفات الإقليمية. فهناك تناقض جوهري بين مسار تفاوضي يسمح لإيران بالتسلل إلى القرار اللبناني، وبين مسار آخر يعترف بالدولة اللبنانية وحدها شريكاً ومفاوضاً وصاحبة قرار. وفي هذا التناقض يكمن مستقبل لبنان السياسي والسيادي في المرحلة المقبلة.
الأحداث الإقليمية
الرئيسية
الموقف اليوم_آلية جنيف… فخّ الوصاية على لبنان
- by Mohammad Ahmad
- 0 Comments
- Less than a minute
- 4 ساعات ago
